الناظر إلى فرنسا أوائل هذا الخريف يلمس حال الاضطراب وعدم اليقين الكبيرين التي يعيشها مجتمعها في مواجهة الحاضر والآتي القريب. وهي حال تتخطّى الواقع الفرنسي لتمتدّ إلى مجمل أنحاء أوروبا. فزمن الاستقرار الذي عرفته «القارّة القديمة» على مدى أكثر من نصف قرن، والذي بدا كأنّه الخاتمة النهائية لمسلسل الحروب الطويل الذي أدمى ماضيها وذاكرتها، لم يعد مُطمْئِناً ولا واعداً؛ إذ إن الانقسام الدراماتيكي الذي يعاني منه الغرب، بين الاتجاه الأممي المفتوح الحدود (ما يُعرَف باليسار، واليسار الراديكالي) والاتجاه القومي المحافظ المتمحور حول الهوية الوطنية (ما يُعرَف باليمين المتشدّد)، دخل، إن في أوروبا أو في أميركا، ما يشبه مرحلة الحسم. يُضاف إلى ذلك في القارّة الأوروبية عامل اهتزاز آخر بالغ الأهميّة، هو الحرب الروسية – الأوكرانية التي باتت تُلقي بظلالها على جميع بلدان المدى الأوروبي، من المحيط الأطلسي إلى جبال الأورال.
طالما كانت فرنسا، وسط ذلك كلّه، البلد الذي يطلق شرارة التحوّل، التي لا تلبث أن تعمّ مجتمعات القارة، من ثورة 1789 الكبرى، «أم الثورات» في أوروبا والعالم، إلى ثورة شبيبة 1968 التي حوّلت بعمق منظومة الأفكار والقيم والسلوكيات في فرنسا وأوروبا وأنحاء عديدة من العالم، بحيث حين يقتني المرء كتاباً فكري الطابع، غالباً ما ينظر إذا كان صادراً قبل 1968 أم بعدها. كما ما زالت الثورات والانتفاضات ترفع حتى اليوم شعار الحرية والمساواة الذي أطلقته ثورة 1789، وتبرّر ربما عنفها بالعنف المريع الذي رافق تلك الثورة.
لذلك يجدر الانتباه إلى ما يجري الآن في بلد المفاجآت والتحوّلات المصيرية، المنذرة بالانتشار: فرنسا.
كانت المفاجأة الكبرى الأولى تلك الحشود الشعبية الضخمة التي خرجت تستقبل البابا ليو الرابع عشر بحماسة بالغة، بحيث كان اجتيازه جادة الشانزليزيه يذكّر باجتياز شارل ديغول لها بعد تحرير باريس عام 1944. هل هي عودة «فرنسا الكاثوليكية» التي طالما ساد الاعتقاد بأنها زالت من زمان؟
وتلتها فوراً مفاجأة الاضطرابات الواسعة التي أطلقها الطلاب الثانويون في كل أنحاء البلاد، ترافقها أعمال عنف وتكسير وحرق المدارس والمرافق العامة، الآخذة في التصاعد أكثر فأكثر، حيث تبدو الدولة عاجزة عن مواجهتها.
وما يضفي على هذه الظواهر أهمية بالغة أنها تحدث في مرحلة انتقالية مهتزّة تسودها الأزمات الداخلية والخارجية، بين نهايات عهد ماكرون، وانتخابات الرئاسة الفرنسية المقبلة بعد بضعة أشهر، الربيع القادم، المثيرة كل المخاوف، والمثبتة عليها منذ الآن كلّ الأنظار. لماذا؟ لأن الانتخابات الرئاسية الفرنسية القادمة هي الامتحان الانتخابي الأخطر منذ نهاية الحرب العالمية الثانية قبل ثمانين عاماً. فهي، كما تبدو الآن، وكما تشير إليه استطلاعات الرأي العام الأكثر جديّة، ترجّح للمرّة الأولى في تاريخ «الجمهورية الخامسة»، فوز مارين لوبان ووصول التيار القومي الفرنسي المحافظ المتشدّد إلى سدّة الحكم. ويشكّل ذلك، إذا حصل، زلزالاً حقيقياً في فرنسا، ستطول انعكاساته المباشرة مرتكزات المجموعة الأوروبية برمّتها.
وما يرجّح حصوله هو الأمر التالي: من بين المرشّحين الكثر للرئاسة الفرنسية، تبرز ثلاثة أسماء في الدورة الأولى، مارين لوبان في الطليعة وإلى حدّ بعيد، ثم بما يشبه التساوي بين كل من جان - لوك ميلانشون، زعيم اليسار الأممي المتشدّد، وإدوار فيليب ممثل الوسط واليمين المعتدل. من المؤكّد أنه إذا وصلت لوبان ووصل ميلانشون إلى الدورة الثانية، فستفوز لوبان بأكثرية كبرى من الأصوات. لكن التحوّل المثير وغير المسبوق هذه المرّة أنه إذا وصلت لوبان ووصل فيليب إلى الدورة الثانية، فالمرجّح فوز لوبان أيضاً، وإن بأكثرية محدودة، وهي ظاهرة لم تعرف فرنسا مثيلاً لها من قبل. ففي كل مرة كان يتواجه فيها هذان الطرفان في ماضي «الجمهورية الخامسة»، وقد حدث ذلك مراراً، كان اليمين التقليدي والوسط واليسار التقليدي واليسار المتشدّد تتجاوز خلافاتها لتصبّ أصواتها ضد ممثل اليمين المتشدّد فتسقطه. لكن الكثير من الدلائل تشير إلى أن هذا الاستقطاب الكبير لن يفعل فعله هذه المرة؛ لأن ثمّة انهياراً في شعبية اليمين التقليدي والوسط، كما في شعبية اليسار التقليدي أيضاً.
هل تتخطّى أكثرية الفرنسيين هذه المرّة حاجز الخوف الدفين من اليمين المتشدّد ومن نتائج وصوله إلى السلطة؟ التوقعات تشير إلى ذلك. يبدو أن المخاوف الأمنية وهواجس الهوية والصعوبات الاقتصادية وتكرار الأوضاع نفسها على مرّ الزمن، تدفع في اتجاه المخاطرة. فهل يكون «في المخاطرة جزءٌ من النجاة»، كما يقول النفّري، أم يكون الطريق إلى الاصطدام الكبير؟
