عبير مشخص
مسؤولة قسم المنوعات في «الشرق الأوسط». حاصلة على إجازة في الآداب من جامعة القاهرة، وماجستير في الأدبين الإنجليزي والأميركي من جامعة الملك عبد العزيز في السعودية. عملت محررةًوكاتبةَرأي في صحيفة«عرب نيوز»قبل انضمامهالصحيفة«الشرق الأوسط».
TT

ثلاثية كورفو... حنين إلى زمن أبسط

استمع إلى المقالة

قد يختلف البريطانيونَ على معظم الموضوعات، ولكن هناك شخصيات قليلة جداً وضعها الشعب في منزلة «الكنز القومي»، ومن هؤلاء كان مقدم برنامج الطبيعة الأشهر ديفيد أتنبره الذي بلغ المائة هذا العام. أتنبره لم يكن الوحيد الذي نال حب وتقدير الشعب كبيره وصغيره في مجال الاهتمام بالطبيعة وعالمها السحري. فهناك صديقه جيرالد داريل الذي كان له مع السير ديفيد أعمق الأثر في تغيير نظرة البريطانيين للعالم الطبيعي.

تقاطع طريقهما في بداية عمل أتنبره في برنامجه الأول وسفره لجمع حيوانات لإضافتها إلى حديقة لندن للحيوان، في حين كان داريل في مهمة خاصة لجمع حيوانات لضمها إلى حديقة الحيوان الخاصة في جزيرة جيرسي البريطانية. هناك سبب آخر لحب البريطانيين لجيرالد داريل؛ فهو مؤلف غزير الإنتاج ودخلت بعض مؤلفاته المقررات الدراسية، ومن أشهرها «ثلاثية كورفو» الذي يروي فيه قصة عائلته التي انتقلت للعيش في جزيرة كورفو باليونان في عام 1935.

وقتها كان جيرالد داريل طفلاً وجد نفسه في عالم جديد تماماً، وسحرته الجزيرة اليونانية بطبيعتها. في كتابه يروي بأسلوب سلس وممتع رحلاته اليومية مع كلبه بين الحقول وعلى الشواطئ، ومغامراته مع سكان الجزيرة الذي ينسج معهم صداقات بريئة يناله منها عناقيد العنب والفاكهة الطازجة. يستمتع بمراقبة الحيوانات والحشرات في كل مكان ويجمع نماذج منها ويحتفظ بها في غرفته ويصادق بعضها مُطلقاً عليها أسماء مميزة مأخوذة من أبطال الحكايات التي يقرأها. حكايات داريل تمر بنا على حياة أفراد عائلته، والدته التي تجد في كورفو مكاناً جديداً للعيش وتكوين الأصدقاء، تقضي وقتها في الطهي وزراعة حديقة البيت العتيق الذي عاشت فيه العائلة. أما شقيقه الأكبر لورانس، الكاتب الشاب ذو الروح البوهيمية، فينصرف إلى أوراقه وآلته الكاتبة، ويستضيف كُتّاباً من معارفه لقضاء الإجازات في المنزل المطل على البحر. وسيصبح لورانس داريل لاحقاً أحد أشهر كتاب بريطانيا، بفضل أعماله التي تتصدرها «رباعية الإسكندرية».

أمَّا الشقيقة مارغو، فيصفها جيرارد بأسلوب فذ يجعلنا نعيش مع تلك الفتاة المراهقة التي تحارب بثور الوجه بمحاليل ووصفات غريبة وتبحث عن شخص يحبها. أمَّا الشقيق الثاني ليسلي، فله اهتماماتٌ بالصيد وله مغامرات مع فتيات الجزيرة توقعه في مطبات وحكايات.

ولا يمكن قراءة الرواية من دون الضحك على المغامرات الساذجة للطفل جيرالد ووصف مشاجرات والدته مع الخادمة العجوز من سكان القرية أو سبيرو صديق العائلة.

نستمتع بالوصف البديع واللغة الأدبية الرشيقة التي يصف بها داريل الحياة حوله في الجزيرة ما بين التجول تحت أشجار الزيتون أو تسلق الجبال، أو وصف ليلة ساحرة على شاطئ منعزل تجتمع فيها العائلة تحت بريق النجوم لتبادل الأحاديث وتناول الطعام، قبل أن تعود إلى منزلها على متن قارب خشبي صغير.

الرواية تحولت مسلسلاً تلفزيونياً ناجحاً نقل مغامرات عائلة داريل برشاقة وفكاهة، ولكن للكتاب ألقاً خاصاً به ووصفاً لا يُملّ لكل الكائنات الصغيرة والكبيرة، وبشكل مناسب جاء عنوان الجزء الأول من الثلاثية «عائلتي وحيوانات أخرى». ومن خلال لغته المرحة، نستمتع بكل لحظة من حياة هذه العائلة الصاخبة التي تركت بريطانيا بأجوائها الممطرة لتعيش سنوات تحت الشمس في جزيرة يونانية ساحرة.