جيمس ستافريديس
قائد عسكري سابق لحلف «الناتو» وعميد كلية فليتشر للحقوق والدبلوماسية بجامعة تافتس... بالاتفاق مع «بلومبرغ»
TT

بوتين و«الناتو» وضبط النفس

استمع إلى المقالة

يحاول الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وهو يخض حربه المتعثرة في مواجهة أوكرانيا، ترهيب الدول الأوروبية، التي أصبحت -في ظل التقليص الحاد الذي أقره الرئيس الأميركي دونالد ترمب في المساعدات المقدمة لكييف- الداعم العسكري والاقتصادي والدبلوماسي الرئيسي للأوكرانيين.

وإليك بضعة أمثلة من بين أخرى كثيرة: العثور على طائرة مسيّرة محمّلة بالمتفجرات في مطار لايبزيغ بألمانيا، وتضرّر كابلات حيوية تحت البحر في بحر البلطيق، وانفجار طرود في مرافق لوجستية في ألمانيا وبولندا والمملكة المتحدة، وهجوم فاشل لمحاولة إشعال النار في مستودع حافلات تشيكي، وتضرر سكة حديد بولندية بسبب متفجرات، وزيادة مستمرة في كثافة الهجمات السيبرانية ضد أعضاء حلف شمال الأطلسي (الناتو).

وبينما تنفي موسكو، بطبيعة الحال، أي تورط لها، فقد نسبت أجهزة الاستخبارات وإنفاذ القانون الغربية هذه الهجمات إلى الكرملين بشكل مقنع، وحصلت في بعض الحالات على لوائح اتهام وإدانات قضائية.

وتُعرف مثل هذه الحوادث باسم الحرب الهجينة أو حرب المنطقة الرمادية، والفكرة منها تنفيذ أعمال تخريب وإحداث اضطرابات عبر طيف واسع من الأهداف المدنية، لا تصل إلى حد الحرب الفعلية، وعلى نحو يجعل من الصعب إيعازها إلى موسكو.

وما قد يبدو هجمات معزولة يمكن أن يخلف عواقب أوسع بكثير. وهذا النمط المتصاعد من جانب روسيا قد يؤدي إلى تفعيل المادة الرابعة من ميثاق «الناتو»، التي يمكن بموجبها لأي عضو يعتقد أن أمنه أو سلامة أراضيه تحت تهديد خطير، أن يطلب مشاورات على مستوى التحالف لاتخاذ إجراء جماعي. وهذا بدوره قد يؤدي إلى قرار يستند إلى المادة الخامسة، ما يفعّل الافتراض الأساسي الذي يقوم عليه التحالف، ومفاده أن الهجوم على دولة واحدة هجوم على الجميع.

وبالنظر إلى امتلاك كل من الاتحاد الروسي وحلف «الناتو» أسلحة نووية، فإن احتمال الحسابات الخاطئة والتصعيد الرأسي أمر يدعو إلى الذعر. اليوم، يرفع بوتين حدة التوتر، في حين ظل يلعب بالنار طيلة عقود.

من جهتي، عندما أصبحت القائد الأعلى لـ«الناتو» عام 2009، كنا ندرس بالفعل تقارير استخباراتية حول الحرب الهجينة. وعندما غزت روسيا جورجيا قبل ذلك بعام، استخدمت أجهزتها العسكرية والاستخباراتية، الهجمات السيبرانية، وحملات التضليل، والمساعدات إلى القوات الانفصالية بشكل استراتيجي للغاية (كان هذا بمثابة تمهيد لاستخدام روسيا قوات لا تحمل شارات، أو ما عُرف باسم «الرجال الخضر الصغار»، عندما استولت على القرم عام 2014).

كما شنت روسيا سابقاً هجمات سيبرانية ضد دول البلطيق، ما أدى عام 2008 إلى إنشاء «مركز (الناتو) المتميز للدفاع السيبراني التعاوني» في إستونيا.

وفي مقر «الناتو»، كان هناك أمران واضحان لي: أن بوتين سيمضي في هذا النوع من العمليات، ومع ذلك لم يكن لدى التحالف تكتيكات أو تقنيات أو إجراءات فعّالة لمواجهتها. وعلى الرغم من أن «الناتو» أحرز تقدماً على هذه الجبهات على مدى العقد والنصف الماضيَيْن، فإنه لا يزال بحاجة إلى مجموعة استجابات أكثر حزماً وشمولاً يمكن لقواته تنفيذها، دون التسبب في إشعال حرب شاملة.

أولاً: يحتاج «الناتو» إلى جهد استخباراتي، يتطلب استنفار جميع الطاقات لكشف المنظمات الروسية المتورطة في الهجمات الهجينة. ويجب عليه تصعيد حملة «الكشف والتشهير» عبر الكشف المعلن عن أدلة دامغة على تورّط الدولة الروسية في أعمال ضد أوروبا.

لقد بدأ الغرب فرض مثل هذه العقوبات، خاصة منذ بدء الحرب في أوكرانيا، لكنها لم تكن كافية، ويرجع ذلك إلى حد كبير إلى التطبيق غير المنسّق وقدرة الروس على إيجاد طرق للالتفاف عليها، مثل استخدام الشركات الصورية والعملات البديلة و«أسطول الظل» من ناقلات النفط.

ثانياً: من الضروري الاستعداد المسبق لردود فعل أقوى تجاه التحركات الروسية. ويعني ذلك تعزيز جهود المراقبة والاستخبارات المخصصة، لرصد المخططات الروسية، وإنشاء وحدة للاستجابة السريعة في مقر القيادة العليا للحلفاء في مدينة مونس. وينبغي أن تشمل القدرات العملياتية (الحركية) وحدات دفاع جوي متنقلة وطائرات مقاتلة جاهزة للتدخل الفوري قرب حدود الحلف، لاعتراض الطائرات المسيرة التي قد تعبر حدود «الناتو» «عن طريق الخطأ»، علاوة على وحدات قوات خاصة قادرة على الانتشار السريع للتصدي لـ«الرجال الخضر الصغار»، الذين قد يظهرون فجأة في دول البلطيق أو بولندا، على سبيل المثال.

وأخيراً، يجب أن يكون الحلف مستعداً لتجاوز مرحلة الردود الدفاعية والانتقال إلى الهجوم. وتتمثل الخطوة الأولى من هذا التحرك بوضوح في: تزويد الأوكرانيين بمزيد من الأسلحة الهجومية الأكثر تطوراً، فقد أثبتوا قدرتهم على شن ضربات دقيقة وبعيدة المدى ضد منشآت النفط والغاز الروسية والطائرات الاستراتيجية.

ورغم أن «الناتو» لن يقلد أساليب بوتين التي تُعد غير قانونية وغير أخلاقية بوضوح -مثل تهديد شبكات النقل المدني- فإن استهداف أصوله العسكرية يُعد إجراءً مشروعاً.

ويجب أن يدرك بوتين أن «الناتو» مدرك تماماً لنياته وتحركاته، وأنه مستعد ليس فقط للدفاع عن أعضائه، بل أيضاً لفرض تكلفة عسكرية حقيقية عليه، إذا واصل شن هجماته في «المنطقة الرمادية».