أمير طاهري
صحافي إيراني ومؤلف لـ13 كتاباً. عمل رئيساً لتحرير صحيفة «كيهان» اليومية في إيران بين أعوام 1972-1979. كتب للعديد من الصحف والمجلات الرائدة في أوروبا والولايات المتحدة، ويكتب مقالاً أسبوعياً في «الشرق الأوسط» منذ عام 1987.
TT

إيران والولايات المتحدة... مفاجأة أكتوبر؟

استمع إلى المقالة

تعد عبارة «مفاجأة أكتوبر/تشرين الأول»، بمنزلة كلمة سر، تُطلق للإشارة إلى أي تدخل خارجي يؤثر في نتائج الانتخابات الأميركية، التي تُعقد دوماً في نوفمبر (تشرين الثاني). وأول من صاغ هذا المصطلح، غاري سيك، محلل الاستخبارات المركزية الأميركية (سي آي إيه)، الذي عمل مستشاراً للشؤون الإيرانية في إدارة جيمي كارتر، أواخر سبعينات القرن الماضي.

وحسب سيك، الذي ألّف لاحقاً كتاباً حول نظريته، فإن كارتر خسر الانتخابات الرئاسية في نوفمبر 1980، بعدما أرجأت حكومة الجمهورية الإسلامية في طهران، الإفراج عن الدبلوماسيين الأميركيين المحتجزين رهائن، بسبب صفقة سرية مع الحزب الجمهوري، مقابل وعود قدمها فريق حملة رونالد ريغان الانتخابية. ورغم أنه لم يقدم أحدٌ دليلاً على وجود مثل هذه الصفقة السرية، فإن الثابت أن الرهائن لم يُطلق سراحهم، إلا في اليوم الذي بدأ فيه ريغان ولايته الرئاسية. وبدا هذا التأخير مثيراً للشكوك، لأن كارتر كان قد تفاوض بالفعل على إطلاق سراح الرهائن مع رجال الدين الإيرانيين، واستجاب لجميع مطالبهم، بخاصة التعهد بعدم ملاحقة محتجزي الرهائن أو من يقفون خلفهم، قضائياً.

اللافت أنه عام 2009، عملت «مفاجأة أكتوبر» في الاتجاه المعاكس؛ إذ أجج تحالف من السياسيين ورجال الدين الإسلاميين، الموالين للولايات المتحدة، انتفاضة شعبية في طهران، أملاً في أن يمد الرئيس الديمقراطي المقبل باراك أوباما يد العون لهم، مثلما فعل كارتر في فبراير (شباط) 1979 ضد الشاه.

ومع ذلك، تعرضوا لخيبة أمل جراء امتناع أوباما عن إظهار أي تعاطف مع المحتجين، الذين تعرضوا لقمع وحشي. وخلال الأسبوع الماضي أو نحو ذلك، جرى تداول هذه العبارة النمطية، بالإشارة إلى الانتخابات الأميركية التكميلية المقبلة.

وتذهب إحدى النظريات إلى أن العصبة الخمينية المتبقية في طهران، قد تطرح مفاجأة لضمان تعرض الرئيس دونالد ترمب لهزيمة نكراء في الصناديق الانتخابية. وقد تتخذ تلك المفاجأة شكل جولة جديدة من الهجمات على جيران إيران، لرفع أسعار الغاز إلى مستويات أعلى.

وتذهب نظرية أخرى إلى أن تلك الزمرة قد تقرر السير على المنوال، الذي خطه ترمب لتهدئته، عبر تحقيق «نصر كبير» وهمي آخر يضاف إلى ما حققه بخصوص غرينلاند. وفي كلمته أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، جدد ترمب تهديده بإبادة إيران. إلا أنه عاد وادعى لاحقاً أن المسؤولين الأميركيين عقدوا اجتماعاً «جيداً للغاية»، استمر ثلاث ساعات مع قادة إيرانيين، وأن اجتماعاً آخر قد تقرر عقده في «المستقبل القريب للغاية».

من جهته، يطرح المؤرخ العسكري فيكتور ديفيس هانسون، مفاجأة مفادها أن ترمب قد يقرر القيام بعمل أكبر مما فعله سابقاً ضد إيران لإجبار قادة طهران على الاستسلام غير المشروط، وبالتالي ضمان فوز الحزب الجمهوري في انتخابات الثالث من نوفمبر.

وفي سيناريو آخر لـ«المفاجأة»، يرى هانسون أن «مفاجأة أكتوبر» قد تأتي في صورة انتفاضة عارمة تشتعل في أنحاء إيران، تهدف إلى تنصيب فريق حاكم جديد، يسعى لإحلال السلام مع الولايات المتحدة.

وهناك «مفاجأة» أخرى يجري الحديث عنها -بخاصة في وسائل الإعلام الإسرائيلية، وبدعم من هانسون أيضاً- تتمثل في غزو المحافظات الغربية لإيران، على أيدي مسلحين أكراد، يتخذون من العراق قاعدة لهم. ومن شأن حدث كهذا أن يزعزع أركان المؤسسة العسكرية الإيرانية، ويكشف عن عجزها عن حماية الأراضي الوطنية، وربما يكون بمنزلة الشرارة الأولى لاشتعال ثورة شعبية.

ومع ذلك، تكمن المشكلة في كل نظريات «مفاجأة أكتوبر» هذه، في أنها تتوقف عند لحظة انتهاء الانتخابات، من دون الاكتراث بما سيحدث بعدها. ولنا أن نتساءل: ربما ساعدت «مفاجأة أكتوبر» الأصلية الرئيس ريغان على الفوز بالرئاسة، لكن ما الفائدة التي عادت على إيران من ذلك؟

لقد أعقب ذلك 12 عاماً من العداء في عهد رئيسين جمهوريين -ريغان وجورج بوش الأب- تخللها أول صدام عسكري مباشر بين إيران والولايات المتحدة، في أبريل (نيسان) 1988، وما نجم عنه من إغراق نصف الأسطول البحري الإيراني، وإلحاق أضرار تجاوزت قيمتها 1.3 مليار دولار بالمنشآت النفطية الإيرانية البحرية. وبعد ثلاثة أشهر، أسقطت واشنطن طائرة ركاب إيرانية، مما أسفر عن مقتل 290 شخصاً.

على الجهة المقابلة، لم يحقق الأميركيون أي مكاسب تُذكر كذلك؛ فقد واصل الملالي احتجاز رهائن أميركيين في أنحاء المنطقة، ونفَّذوا هجوماً إرهابياً على قاعدة أميركية في لبنان، أسفر عن مقتل 241 جندياً من جنود مشاة البحرية، في أكبر خسارة عسكرية أميركية منذ الحرب العالمية الثانية.

والآن، لِنَعُد إلى الحاضر.

لنفترض أن الملالي أقدموا على خطوة تتسبب في خسارة ترمب للانتخابات. هنا، ما الحافز الذي قد يدفعه للسعي نحو تسوية، ودخول التاريخ بصفته زعيماً يميل إلى مهادنة الأعداء واسترضائهم؟ ومَن يضمن أن الديمقراطيين -حال فوزهم- سيعيدون إحياء استراتيجية أوباما المؤيدة للملالي؟

أضف إلى ذلك، كيف يمكن لأحد أن يضمن حصول الديمقراطيين على أغلبية في الكونغرس، تتيح لهم تجاوز حق النقض (الفيتو)، وتقييد حركة ترمب المثخن بالجراح؟

وعلى النقيض من ذلك، لنفترض أن طهران أقدمت على تغيير مفاجئ في مسارها، لإرضاء ترمب ومساعدته. هل سيكون ترمب ساذجاً لدرجة الثقة في «بينوكيو» المعمَّم، الذي خدع بالفعل سبعة رؤساء أميركيين على مدار نحو نصف قرن؟

في الواقع، أفضل «مفاجأة أكتوبر» أن تعترف واشنطن بأن استراتيجيةً مربكة ومكلّفة كهذه من غير المرجح أن تنجح؛ فإيران، في ظل نظامها الحالي، لن تتوقف -بل لا تستطيع التوقف- عن كونها مصدراً لزعزعة الاستقرار وتصدير الآيديولوجيا والإرهاب.

ويكمن السبب الرئيس وراء الإخفاقات الأميركية تجاه طهران، في افتراض أنها تتعامل مع دولة قومية طبيعية، بدلاً من التعامل معها بوصفها أداةً لنشر آيديولوجيا معينة. ونتيجة لذلك، وقعت واشنطن -وغيرها ممن يتعاملون مع الجمهورية الإسلامية- في فخ «أنصاف الحلول»: دبلوماسية تفتقر إلى الجدية الكاملة، وعقوبات مفروضة بشكل منقوص، والآن حرب واسعة النطاق لكنها تفتقر إلى القوة الحاسمة.

لقد وعدوا برفع العقوبات، لكنهم لم يفعلوا ذلك حقاً. ووعدوا ببناء الثقة عبر الدبلوماسية، لكنهم توقفوا في منتصف الطريق. وهددوا بـ«أقصى درجات الضغط»، لكنهم توقفوا قبل أن تبدأ أسس النظام في التصدع. وتباهوا بالسعي لتغيير النظام، لكنهم انتهوا بتوقيع اتفاق مع نظام لم يتغير.

أما من جانب طهران، فقد سمعنا مزاعم حول فرض نظام عالمي جديد بالتحالف مع الصين وروسيا، وترسيخ مكانة الجمهورية الإسلامية بوصفها «قوة عظمى إسلامية». وفي الوقت نفسه، سعت الفصائل المتنافسة وراء حلم إبرام صفقة مغرية مع «الشيطان الأكبر» بأي وسيلة ممكنة -وغالباً ما كانت تلك الوسائل ملتوية.

وأخيراً، ربما تكون «مفاجأة أكتوبر» الوحيدة عدم وجود أي مفاجأة على الإطلاق.