سليمان جودة
رئيس تحرير صحيفة «الوفد» السابق. كاتب العمود اليومي «خط أحمر» في صحيفة «المصري اليوم» منذ صدورها في 2004. عضو هيئة التحكيم في «جائزة البحرين للصحافة». حاصل على خمس جوائز في الصحافة؛ من بينها: «جائزة مصطفى أمين». أصدر سبعة كتب؛ من بينها: «شيء لا نراه» عن فكرة الأمل في حياة الإنسان، و«غضب الشيخ» عن فكرة الخرافة في حياة الإنسان أيضاً.
TT

العودة بالشيء إلى أصله في المنطقة

استمع إلى المقالة

كان الشاعر امرؤ القيس هو أشهر الذين ضجوا من طول الليل، وكان الليل عنده بمعناه الرمزي لا الحرفي، وكان المعنى أن الهموم لما لازمته قد راكمت فوق رأسه كالجبال، فبدا وكأن حياته ليلٌ بغير نهار!

وقد جاء عليه وقت لم يعد يتمنى فيه شيئاً، سوى أن ينقضي الليل ويطلع النهار، ولكن رجاءه لم يكن يجعله يثق في أن النهار سوف يأتي بأفضل مما جاء به الليل، فلقد كان يأسه يغالب لديه الرجاء فيغلبه. وكان قد أطلق بيت الشعر الشهير:

ألا أيها الليل ألا انجلي بصبح

وما الإصباح منك بأمثلِ

كان قد ضاق من طول الليل، وكان ليله قد طال بأكثر مما تطول الليالي، ولا تطول الليالي في العادة إلا إذا صاحبتها هموم ثقيلة. فالليل عندئذ يصير أكثر من ليل واحد، وتتكاثف عتمته وتشتد كما لا تتكاثف عتمة أو يشتد ظلام، ولكن هذا لا ينفي أن الأمل يظل قائماً، وقد كان الأمل يقوم لدى امرئ القيس، حتى ولو كان أملاً ضعيفاً لا يقوى على مغالبة اليأس.

ولا شيء يشبه ليل شاعرنا القديم إلا ليل منطقتنا الطويل، وبالذات منذ أن هبت عليها رياح ما سُمي بـ«الربيع العربي». لم يكن ربيعاً ولا كانت هناك علاقة بينه وبين الربيع الذي ارتبط معناه عندنا بالبسمة والبهجة، ولو أنت بحثت عن بهجة أو عن بسمة في ربيع المنطقة إياه، فلن تعثر إلا على عكس البهجة والبسمة على طول الخط وعرضه.

ومع ذلك، فإن هناك بيننا مَنْ لا يزال يراه ربيعاً، بل ويمعن في أن يراه كذلك، ثم يتمادى فيتمنى لو أن ربيع المنطقة قد أكمل طريقه، فبلغ البلاد التي لم يبلغها، وأغرق الشواطئ التي لم يغرقها بفيضانه وعواصفه!

غير أن الواقع الذي نعيشه يقول، إن الليل الذي خلّفه وراءه ربيع المنطقة لا يخلو من أشياء تطرأ عليه فتبدد بعضاً من سواده وتطرده. وليس السواد الذي جاء به وجاء معه منذ عام 2011 إلا تقديم شطط الجماعات على منطق الدول المسؤولة، وتأخير الانتماء للدولة وتقديم الانتماء للجماعة عليه، وكانت الحصيلة أن الجماعات كثرت وتكاثرت وتناثرت وملأت الآفاق، ثم راحت تزاحم الدولة الوطنية فيما تحتكره بطبيعتها.

فمنذ أن نشأت الدولة ككيان سياسي، ومنذ أن قالت العلوم السياسية إن الدولة إذا كانت تتجسد في أرض، وفي شعب يعيش عليها، ثم في سلطة تنظم حياة هذا الشعب، فإنها بهذا المفهوم تحتكر حيازة السلاح، وتحتكر استخدامه على أرضها، ولا يحق لجماعة أن تنازعها هذا الحق بأي مبرر ولا تحت أي ظرف.

هذه قضية واضحة في العلوم السياسية، ومن شدة وضوحها فإن ظهور الجماعات الشاردة مع هبوب رياح الربيع السامة بدا شذوذاً عن قاعدة مستقرة، وحين وجدت الجماعات مَنْ يشجعها، ويساندها، بل ويمولها، فإن ذلك كان معناه أنها ليست ابنة أرضها، وأنها نبتة غريبة جرى زرعها في أرض المنطقة، وأنها إلى زوال وإنْ طال بها البقاء.

وكنا ذات يوم قريب قد استيقظنا في المنطقة على نبأ يقول إن مقتدى الصدر، زعيم التيار الصدري، أعلن دمج «سرايا السلام» ذراع تياره العسكرية، في القوات الحكومية العراقية، ورأينا عناصر من سراياه ترفع راية التيار فوق مقر قيادته في مدينة سامراء، وكان هذا يعني أننا أمام جماعة تُسلم بأن الراية التي يجب أن ترتفع هي راية العراق كدولة، لا راية جماعة في داخل الدولة، وكان هذا على بعضه من قبيل العودة بالشيء إلى أصله في ليل هذه المنطقة الطويل بين ليالي المناطق في العالم.

ومن بعد «سرايا السلام» جاءت «كتائب الإمام علي» العراقية فقررت أن تقتفي أثر التيار الصدري، وكان قرارها من قبيل العودة الثانية بالشيء إلى أصله في ليل المنطقة المتطاول الطويل.

ومن بعد التيار والكتائب تابعنا قرار قوات سوريا الديمقراطية «قَسَد» دمج نفسها في القوات الحكومية السورية، وتعيين قائدها مظلوم عبدي مستشاراً للرئيس السوري أحمد الشرع، فكان قرارها عودة ثالثة بالشيء إلى أصله في ليل المنطقة المتطاول الطويل أيضاً.

الدولة ككيان سياسي هي أصل، ولأنها أصل فإنها تخرج إلى النور لتبقى، وبقاؤها راجع إلى أنها تخاطب حاجة لدى مواطنيها الذين يستظلون بها، أما الجماعة فهي فرع خرج إلى النور على غير إرادة الأصل، ولأنه كذلك، فهو لا يدوم ولو طال بقاؤه الذي يظل ضد طبائع الأشياء.