المصدر رَقْع في اللغة العربية يشير إلى التباين. السماء رقيعة لأن النجوم متناثرة فيها، وصفحة الكتابة رقعة لأنها متبقعة بالكلمات، ولوحة الشطرنج رقعة لاختلاف ألوان مربعاتها. فليس كل رقيع مذموماً، بل بعض الرقاعة شرط للتحقق.
في الشطرنج مثلاً، لا بد منها لكي تتبين مسارات القطع ضمن قوانينها وقواعدها، مواضعها في نقطة البداية والممنوع والمسموح من حركاتها. فتستفيد من تنوع قدرات الوزير والحصان، وتدرك حدود البيدق، وتتحسب لتحركات المنافس. بعض الحركات ممنوعة بقوانين اللعبة، وبعضها نمتنع عنها باختيارنا بالنظر إلى مسار المباراة. فإن نجح المنافس بترتيباته في تقليص مساحة اختياراتنا فالهزيمة قادمة لا جدال.
على رقعة الخريطة السياسية سلوك مماثل، ومشروع، بين الخصوم. لكن الغريب أن تفرضه على نفسك: أن تخوض معترك السياسة مستبعداً قفزات الحصان لأنها ضد الثوابت «القومية»، ومقلصاً قدرات الوزير لأنها ضد الثوابت «الوطنية»، وحابساً القلعة بين جدرانها بدعوى الأحكام الشرعية. حينها لا أمل في الفوز. خياراتك محدودة، ومقروءة، ومتوقعة. ومنتهى أملك خطة دفاعية للتعطيل. والمفارقة أنك فعلت ذلك بنفسك، دون أن يبذل المنافس جهداً يُذكر. وتلك نقطة تخدع كثيرين.
بينما تروِّج لجمهورك خطواتك التعطيلية بوصفها انتصارات ملحمية في وجه الغطرسة، فالحقيقة أن المنافس الذي استنزفت جهدك لتعطيله يلاعبك بأقل جهد، ويستخدمك ساحة تدريبية لمبتدئيه، أما مهاراته الفعلية فيسخرها في تحديات أخرى ذات جدوى، في التنمية وصناعة المستقبل. لذلك يهلل لك جمهورك، ثم يغمض عينيه ويفتحهما فإذا جيرانك الأقربون حسنوا حياة مواطنيهم، وخصومك قفزوا قفزات عملاقة بثورات تكنولوجية، من الاتصالات إلى الذكاء الاصطناعي، وطفرات عسكرية وطبية. وهذا التطور انعكس على رفاهية مواطنيهم وإقبالهم على الحياة. بينما جمهورك، بعد أن هلل لدعايتك، أدرك أنه يعيش حياة ضنكاً، وازداد نقمة على الحياة وعليك.
لقد بذلت لخصمك روحك، شفطها وتغذى عليها، ربما غص لحظة، احتاج إلى شربة ماء إضافية، ليس أكثر.
الواقع واضح لمن يفتح عينيه. كل انتصاراتك المزعومة كانت انتصارات لفمك على عينيك، أو لكفيك على قدميك، صراعاً داخلياً بين بيادقك وطوابيك، بين مربعاتك السوداء والبيضاء. لقد حولت نفسك إلى حكاية عظة، تحكيها الأمم لأبنائها لتعلمهم ما يجب أن يتجنبوه في الحياة.
في اللغة العربية أيضاً، أرقع الثوب إن وجب رتق ما انفتق منه. تستطيع أن ترتديه كما تشاء، وبقوة السلطان تجبر من تحت يدك أن يمدحوه ويتغنوا بجماله. لكنه على هذه الحال أسوأ حتى من ثوب رقيع، بقع إصلاحه ظاهرة للجميع. وإن اخترت الاستمرار على نفس المنوال فسوف يتسع الخرق على الراقع، ويستحيل الفتق على الراتق. وحينها، لا تلومن إلا نفسك. لقد تمزق الثوب على يد من ادعوا الحفاظ عليه وصيانته وحمايته وتمكينه.
