عبد العزيز الغيامة
صحافي سعودي منذ 1998 وحاصل على وسام الإعلام الرياضي العربي من الاتحاد العربي للصحافة الرياضية عام 2022 ورئيس لقسم الرياضة في صحيفة «الشرق الأوسط»
TT

المنصب الرخيص!

استمع إلى المقالة

حين تكون خبرة عامين خلال آخر خمسة أعوام كافية للدخول في سباق على واحد من أهم المناصب الرياضية في البلاد، فمن الطبيعي أن يتزاحم الراغبون، وأن تظهر أسماء تبحث عن الكرسي، حتى وإن كان هذا الكرسي ساخناً إلى درجة أنه أحرق كثيراً ممن جلسوا عليه.

وسط الجدل الذي صاحب شرط إتقان اللغة الإنجليزية في انتخابات الاتحاد السعودي لكرة القدم، تراجعت القضية الأهم: هل شروط الترشح للرئاسة، في أصلها، تتناسب مع قيمة المنصب؟ فاللغة ليست المشكلة الكبرى، وإلغاء شرطها كان سيجعل بوابة الترشح أكثر اتساعاً أمام من لا تتجاوز خبرته عامين خلال آخر خمسة أعوام.

لذلك؛ لا ينبغي أن يبدأ السؤال بـ: هل يتحدث المرشح الإنجليزية؟

السؤال الذي يسبقه بمراحل: هل يصلح هذا الشخص لأن يكون رئيساً؟

هل يملك شخصية قيادية؟ هل أدار مؤسسة كبيرة؟ هل يمتلك الحكمة والنباهة والتمرس والدبلوماسية؟ كيف يتصرف في الأزمات؟ كيف يتخذ القرار؟ ما عمق معرفته بالرياضة؟ وهل يستطيع التفكير استراتيجياً وإدارة منظومة شديدة التعقيد؟

قد تكون رئيساً لنادٍ مغمور، أو عضواً في لجنة داخل نادٍ أو اتحاد، وتتحدث الإنجليزية بطلاقة، فتكون بذلك قد استوفيت شروط الترشح على الورق، لكن ذلك لا يعني أنك مؤهل لرئاسة اتحاد يُصنَّف بين أهم خمسة اتحادات كروية في آسيا والعالم العربي. فاستيفاء شروط الترشح شيء، وامتلاك قامة المنصب شيء آخر تماماً.

في تقديري الشخصي، هذه هي بوابة الرئاسة الحقيقية، وبعد اجتيازها يمكن أن نسأل المرشح عن لغته الإنجليزية وبقية الاشتراطات.

ومن المحبط أن أمناء الاتحاد ورؤساءه وأعضاء جمعياته العمومية المتعاقبين لسنوات طويلة لم يصلوا إلى آلية ترشيح تضمن ألا يدخل هذا السباق إلا من يمتلك المعرفة الرياضية والإدارية، والشخصية القيادية، والحكمة وحسن الإدارة.

وحين يخرج مرشح أبعدته اللغة أو الخبرة ويلقي باللوم على الشروط، فإنه يتجاهل السؤال الذي كان عليه أن يطرحه على نفسه قبل تقديم أوراقه: هل أنا جدير أصلاً بالدخول في هذا السباق؟ كان عليه أن يقف أمام المرآة ويسأل نفسه بصدق، وربما قالت له نفسه: لا، بالتأكيد.

كما أن إتقان الإنجليزية لم يكن أمراً طارئاً على رئاسة الاتحاد؛ فقد ظل حاضراً لدى من تولوا المنصب على مدى عقود. وفي رأيي، هو متطلب أساسي لرئيس يمثل كرة القدم السعودية في المحافل الدولية، لكنه بالتأكيد لا يصنع وحده رئيساً ناجحاً.

إدارة كرة القدم تحتاج إلى ما هو أعمق: عقل رشيد، وفكر استراتيجي، وشخصية مقبولة، وحكمة، وقدرة على القيادة واتخاذ القرار.

ولهذا؛ أرى أن الجمعية العمومية مطالبة بإقرار لجنة ترشيحات دائمة ضمن بنود النظام الأساسي للاتحاد، تكون بوابة إلزامية لكل راغب في الترشح للرئاسة؛ لجنة تفحص الكفاءة والقيادة والخبرة والتمرس والدبلوماسية والقدرة على إدارة الأزمات واتخاذ القرار، قبل أن يصل المرشح أصلاً إلى اختبار اللغة واستكمال بقية الشروط.

كرة القدم لا تُدار بالشعبوية، ولا بتصويت الصحف، ولا بعدد إعادة النشر، ولا باصطفاف الجماهير في مواقع التواصل الاجتماعي. تُدار بعقلك وفكرك وعمق رأيك وخبرتك العريضة وشخصيتك الجاذبة ولغتك الرصينة... هذه هي شروط الرئاسة.

والحقيقة، أن معظم الذين تقدموا في انتخابات سابقة وحالية كانوا يفتقدون مواصفات الرئاسة والقيادة، حتى بدا ترشح بعضهم أقرب إلى مادة للتندر منه إلى مشروع جدي لقيادة أهم مؤسسة كروية في البلاد.

في الاتحادات الكبرى، الوصول إلى السباق ليس بهذه السهولة. هناك لجان ترشيح وتزكيات وفحص للكفاءة والخبرة والشخصية، وفي اتحادات أوروبية تفرض التزكيات من مكونات اللعبة ثقلاً حقيقياً على المرشح قبل دخوله المنافسة.

أما الباحث عن استعراض إعلامي أو بضعة أيام من «الترند»، فلا ينبغي أن يجد في رئاسة اتحاد كرة القدم طريقاً سهلاً لتحقيق ذلك.

للأسف، ظل هذا الكرسي «رخيصاً» في شروط الوصول إليه طوال سنوات طويلة، بفعل جمعيات عمومية لم ترفع قيمة بوابة الدخول بما يتناسب مع قيمة المنصب.

حان الوقت لرفع ثمن الكرسي... ليس بالمال، وإنما بالشروط التي لا تسمح بالوصول إليه إلا لمن يملك مواصفات الرئيس.