ثمة خيط رفيع بين الرياضة والسياسة، يختفي وراء جدران من الاستقلالية، لكنه موجود حتماً. إذ تأتي أحداث غير متوقعة وتثبت أن هذا الخيط الرفيع مجرد وهم، وأن السياسة وضغوطها هي في صلب الرياضة حتى ولو كانت تُدار من الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا)، وهي المؤسسة غير الربحية الأكبر عالمياً، والأكثر استقلالية في إدارة شؤونها الفنية، ما دامت لا تتدخل في صراع بين الأقطاب الكبرى في لعبة كرة القدم.
في أزمة «الفيفا» الأخيرة، ظهرت السياسة بقوة؛ تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترمب النافية تدخله في صفقة بشأن الدوريات العالمية وقبلها تدخله المباشر لإلغاء طرد أحد لاعبي المنتخب الأميركي، وتصريحات رئيس وزراء بريطانيا ومسؤول في المفوضية الأوروبية، ووزير فرنسي وآخر في ألمانيا وغيرهم كثيرون، جسدت جدلاً ساخناً، استقطب اهتمام الاتحادات واللاعبين والمشجعين في ربوع العالم المختلفة، لا يقل في تأثيره عن ذلك الجدل الصاخب بشأن أزمة الحرب الأميركية - الإيرانية، وتطوراتها المثيرة واحتمالات المواجهة الكبرى والتراجع عنها إلى حين.
وكما يتابع العالم ما يجري في مضيق هرمز، وارتفاع أو انخفاض أسعار النفط والطاقة، والتوتر والانفراج حسبما تكون التصريحات والمواقف الأميركية والإيرانية وتحركات الوسطاء، يتابع العالم أيضاً اللعبة الساحرة كرة القدم.
الشغف والحماسة والإثارة والفوز والهزيمة والفرح والإحباط، كلها مشاعر إنسانية ارتبطت بلعبة كرة القدم، كما ارتبطت بأنها لعبة سيدة نفسها، فالاتحادات الوطنية والقارية المنضوية تحت مظلة الاتحاد الدولي هي سيدة نفسها، لا تملك أي جهة أخرى أن تتدخل في تنظيم اللعبة ومسابقاتها المتعددة، بالمنظور الفني، ولكن ليس بالمنظور السياسي. لعبة ساحرة تُدر دخلاً هائلاً للاتحاد الدولي، يستخدم جزء منه لدعم الاتحادات في الدول المختلفة لتطوير اللعبة وبنيتها التحتية.
هذه المنظومة تعرضت في الأيام القليلة الماضية لاختبار قاسٍ، مملوء بالدروس والدلالات.
اقتراح رئيس «الفيفا» الذي تم التراجع عنه لاحقاً، إنشاء شركة تدير المسابقات الدولية بمستوياتها المختلفة، على أن يشارك فيها مستثمرون لا علاقة لهم باللعبة وإدارتها، بنسبة 20 إلى 30 في المائة، استهدف في جوهره إحداث تغيرات هيكلية في إدارة اللعبة، إذ لن تعود الاتحادات وحدها المسيطرة على منظومة المسابقات الدولية، بل سيأتي شركاء آخرون في صورة مستثمرين لا يهمهم شيء سوى تحقيق الأرباح الكبيرة، مما سيجعل اللعبة الساحرة والمستقلة «سابقاً» لأصحابها من الأندية واللاعبين والجمهور تحت ضغط المساهمين ورغباتهم وتدخلاتهم، فالشغف لدى الجمهور واللاعبين سيتحول إلى سلعة لدى هؤلاء، حينذاك. حال نجح مسعى إنفانتينو ستصبح اللعبة مجرد سلعة يجب أن تجلب المزيد من المال. الغلبة ستكون للوافد البعيد الساعي للربح ولا شيء غير الربح.
الانتقادات التي وجهتها اتحادات قارية معتبرة، للاقتراح كالاتحاد الأوروبي واتحاد «كونكاكاف» و«الآسيوي»، ركزت على مساوئ الاقتراح على جوهر اللعبة باعتبارها إرثاً شعبياً عالمياً، يملكه المشجعون في كل مكان، لا يجوز لأحد أن يمتلكه أو يبيعه كلياً أو جزئياً. رؤية تنظر إلى الأمر من زاوية الجمهور والتاريخ وليست رغبات المستثمرين. لا يقف الأمر عند هذا الحد، فمبدأ الثقة في رئيس الاتحاد اهتز إلى درجة يبدو إصلاحها أمراً متعذراً. والبديل المطروح، حتى بعد تراجع إنفانتينو الكامل عن اقتراحه، هو أن يستقيل طواعية أو أن تتم الإطاحة به وفقاً لقوانين «الفيفا» ذاته.
قد ينظر المرء إلى موقف الاتحادات الساعية إلى إنهاء حقبة إنفانتينو باعتباره موقفاً تصعيدياً لم يَعُد له معنى، فالرجل تراجع، وأكد حرصه على وحدة «الفيفا». ومع ذلك فإن فقدان الأغلبية، وجلها من الاتحادات الكبرى في اللعبة، ثقتها في المسؤول الأول يبرر بالفعل أن تكون هناك مرحلة جديدة ورئاسة جديدة، تستفيد من هذا الاختبار الكبير، وتحرص بدورها على مشاركة الكل في اتخاذ القرار، وليس فرضه قسراً أو التفرقة بين من يوافق على الاقتراح ومن يرفضه، أو العمل سراً لمدة طويلة مع جهات لا يعلم عنها أعضاء الاتحاد شيئاً، ثم يُطلب من الجميع الموافقة العمياء.
في بيانه الأول للدفاع عن خطته لتكوين شركة تدير شؤون المسابقات العالمية التي ينظمها «الفيفا»، قال إنفانتينو إنها فرصة وليست إلزاماً، إنها وسيلة «لدمقرطة» اللعبة. وهنا المفارقة الأكبر، فكيف تدافع بالديمقراطية وفي الوقت نفسه تسعى إلى فرض تغيير جوهري في إدارة اللعبة، عبر مشروع أنجزت هيكلته سراً لمدة أشهر سابقة عدة، بالتنسيق مع شركة أميركية يملكها شقيق جاريد كوشنر صهر الرئيس ترمب، ومن دون أدنى مشاركة من الشركاء أنفسهم. تلك السرية هي نقيض الديمقراطية، جسدت أموراً يصعب على الأغلبية أن تقبلها، إذ تضرب في الصميم الإجراءات التنظيمية المعمول بها في «الفيفا» كمؤسسة غير ربحية، كما أن ربط موافقة الاتحادات على المشروع بالحصول على مبالغ مالية تصل إلى 40 مليون دولار نظير الموافقة، وخفض المبلغ المقدم إلى أقل من مليوني دولار للاتحادات المعارضة، لم يخلُ من استقطاب التأييد مصحوباً بقدر من الابتزاز المالي الصريح. كلها أبعاد تصب في نتيجة واحدة، فقدان الثقة وضرورة التغيير. ثمة مقولة ربما تفيد في فهم ما حدث في «الفيفا» وما يحدث أيضاً في حياتنا العادية، فما زاد عن حده انقلب إلى ضده. لقد بالغ إنفانتينو في تحركاته المستقلة بعيداً عن شركائه في إدارة الاتحاد، وجاءت النتيجة المحتومة أن أصبح مهدداً بالخروج من المنظومة كلها.
