عبد الله ولد محمدي
كاتب متخصص في الشؤون الافريقية
TT

أشياء لا تحدث إلا في نيجيريا

استمع إلى المقالة

في بلد يُوصَف بأنه أكبر اقتصاد في غرب أفريقيا، والبلد الأكثر سكاناً في أفريقيا، اعتاد النيجيريون على المفارقات. لكن القضاء النيجيري ينظر هذه الأيام في قضية تجاوزت حدود الخيال السياسي والإداري؛ رجل متهم بتأسيس وكالة حكومية لا وجود لها، وتعيين نفسه مديراً عاماً لها، والحصول على مكتب داخل المجمع الحكومي في أبوجا، وفتح عشرات الحسابات المصرفية باسمها، والظهور أمام سفراء ومسؤولين كما لو كان ممثلاً رسمياً للدولة. والأدهى أن هذه الهيئة الوهمية وجدت طريقها إلى مشروع ميزانية الدولة لعام 2026، بمبلغ يقترب من المليون دولار أميركي، قبل أن تنكشف القصة.

اشتهرَ النيجيريون بعمليات احتيال عالمية، ظلَّت عالقة في أذهان الناس بسبب الذكاء العالي الذي يقترب من الخيال، ولعلَّ من أشهر هذه القصص الرجلُ الذي يدعى إيمانويل نوودي، الذي أقنع بنكاً برازيلياً، عام 1998، بشراء حقوق بناء مطار وهمي في العاصمة النيجيرية أبوجا، وسرق منهم 242 مليون دولار، منتحلاً صفة محافظ البنك المركزي النيجيري!

ولكن القصة التي تهز نيجيريا هذه الأيام أكثر غرابة، لأن الضحية كانت نيجيريا نفسها، والجاني شخص يتمتع بجرأة استثنائية، كشف هشاشة منظومة الرقابة داخل مؤسسات الدولة؛ فحتى أكثر المحتالين مهارة لا يستطيعون وحدهم اختراق هذا العدد من الحواجز الإدارية، والحصول على مكاتب رسمية، وفتح حسابات مصرفية، وإجراء لقاءات دبلوماسية، لولا وجود ثغرات كبيرة في منظومة التحقُّق والتنسيق بين المؤسسات.

إنها قصة تبدو أقرب إلى سيناريو فيلم ساخر منها إلى واقع دولة بحجم نيجيريا؛ ففي الدول التي تعمل مؤسساتها بكفاءة، يكفي اتصال هاتفي أو رسالة إلكترونية للتحقُّق من صفة أي مسؤول. أما في هذه القضية، فقد استمرت الوكالة الوهمية في العمل تحت اسم «مجلس الاستثمار الأجنبي الرئاسي» لأكثر من عام، ووجهت مراسلات رسمية للحكومة، من أبرزها طلب وثيقة دبلوماسية رسمية من وزارة الخارجية النيجيرية لتسهيل تأشيرات أميركية لموظفيه، كما عقدت اجتماعات رسمية، وأوحت لشركاء أجانب بأنها تمثل الرئاسة النيجيرية.

والأخطر أن القضية لا تطرح سؤالاً حول الشخص المتهم وحده، بل حول النظام الإداري بأكمله. كيف مرَّت الوثائق؟ ومَن منح المكتب؟ ومن سمح بفتح الحسابات؟ ومن لم يطرح السؤال البسيط: هل هذه المؤسسة موجودة أصلاً؟

هذا هو السؤال الحقيقي الذي يقلق النيجيريين اليوم، خصوصاً مع اقتراب الانتخابات العامة، حيث إن القضية التي ستعقد أولى جلساتها أمام المحكمة بعد أسبوعين، تحولت إلى مادة سياسية تتبادل فيها الحكومة والمعارضة الاتهامات، بينما يطالب كثيرون بتحقيق مستقل يكشف ما إذا كانت المسألة مجرد احتيال فردي أم أن هناك متواطئين داخل أجهزة الدولة.

ورغم أن الرئاسة سارعت إلى نفي أي علاقة لها بالهيئة المزعومة، وأكدت أن التوقيعات والأختام المستخدَمة كانت مزورة، وأمرت بفتح تحقيق شامل، فإن الضرر المعنوي وقع بالفعل؛ فصورة الإدارة العامة اهتزت أمام المواطنين وأمام الشركاء الدوليين، لأن نجاح المحتال لم يكن في تزوير الأوراق، بل في إقناع مؤسسات رسمية بالتعامل معه باعتباره مسؤولاً حقيقياً.

لطالما اشتهرت نيجيريا بروح المبادرة والابتكار، وهي بلد أنجب أكبر صناعة سينمائية في أفريقيا وأحد أكثر قطاعات التكنولوجيا حيوية في القارة. لكنها في المقابل عانت لعقود من الفساد والبيروقراطية وضعف الحوكمة، وهي عوامل تسمح أحياناً بوقوع أحداث يصعب تصديقها.

ولعل المفارقة أن هذه القضية لا تسيء إلى نيجيريا، بقدر ما تقدم لها فرصة نادرة لمراجعة مؤسساتها؛ فالدول لا تُقاس بعدد الأخطاء التي تقع فيها، وإنما بقدرتها على اكتشافها ومحاسبة المسؤولين عنها ومنع تكرارها.