في البحث عن أصول ما يعانيه العرب الآن من مآسي الحروب المركبة الجارية في المنطقة، تبرز دائماً هذه الميليشيات التي تعصف بالمنطقة، وحيث لقادتها سمات بعينها تفصح عن كثير من القسوة مغلفة بأفعال يُشك في أصالتها الدينية. هي عادة تأتي من قلب طوائف وجماعات تشك في حصولها على النصيب الوطني الذي تستحقه سواء كانت في الأغلبية أو الأقلية؛ فهي في كل الأحوال عقدت العزم على أن تنتزع بالقوة المسلحة نصيبها من السلطة. المشاهد الحالية لميليشيات «حزب الله» في لبنان، و«الحشد الشعبي» في العراق، والحوثيين في اليمن، توضح أنهم عقدوا العزم على تمثيل دولتهم والأمة العربية والجماعة الإسلامية في شن الحرب على الاستعمار، و«مقاومة» إسرائيل دون تفويض من الشعب أو سلطة شرعية، اللهم إلا ممن عزموا على استخدام كل شعار مقدس من أجل دخول حروب مدمرة.
«حماس» اقتطعت حالة خاصة تعطي لنفسها حقاً في علاقات مع إسرائيل تحصل من خلالها على العون الذي يجعلها تفصل قطاع غزة عن السلطة الوطنية الفلسطينية، وذلك حتى قبل قيام الدولة الفلسطينية من الأصل.
المبدأ الأساسي لدى كل الميليشيات أن تقسم الأرض والسلطة الشرعية؛ و«حزب الله» اللبناني كان يتلذذ بأنه يمثل «الثلث المُعَطِل» الذي يمنع السلطة من اتخاذ القرارات حتى تلك التي تؤدي إلى التزامات دستورية. جميعها يعتمد سياسة الأرض المحروقة التي لا تجعل هناك خيارات لبني الوطن إلا التنازل عن كل شيء في السلطة بما في ذلك قرارات الحرب والسلام. المسافة مقطوعة دائماً بين الميليشيات والدولة الوطنية وما لها من سيادة وحق شرعي في احتكار امتلاك السلاح. أصبح الأمر موضع مقايضة في إطار الخلاص من الواقع المأساوي بأن تسليم السلاح من قِبل الميليشيات يعني عملية مضنية من التفاوض طويل الأجل الذي يضيف إلى أعداد القتلى واللاجئين. أحياناً يصل الأمر إلى أنه يحتاج إلى تدخل القوى العظمى ما دام أنه يؤدي إلى إطلاق أسير، كما تفعل عصابات الجريمة المنظمة.
الوضع الراهن في المنطقة العربية ما بين الدولة وسلطتها وجيشها في جانب؛ والميليشيات في جانب آخر، جعلت من الواقع العربي رهينة في يد عناصر لا تعرف شيئاً عن «المشروع الوطني» الذي تقوم دول عربية بتطبيقه من أجل اللحاق بالعالم المعاصر. فكرياً، فإنهم يشكّلون خلطة بين الدين والمذهب والعقائد اليسارية واليمينية، كلٌ حسب فائدته لقدرة الميليشيا على إخضاع بقية المواطنين طالما تركوا لشن حروب أبدية. الدول العربية القائدة والناضجة والتي لديها مشروع وطني شامل للرقي والنمو والتقدم بات عليها في أوقات معقدة أن تضع في استراتيجيتها لمواجهة الموقف الملتهب أن وجود الميليشيات جزء مهم من الحرب الجارية؛ ومثلها مثل إسرائيل وإيران تمارس دوراً لإعادة تشكيل المنطقة على قدر هائل من الفوضى والدمار والدماء السائلة.
الدول العربية التي لا تعرف الميليشيات والحرب الأهلية عليها نزع الشرعية عن وجود هذه إلى خارج نطاق الدولة الوطنية. ما تقوم به الميليشيات من تهديد السلطات الشرعية في اليمن والعراق ولبنان والسودان وفلسطين يقوم على أساس من «المساندة» فيما بينها؛ وفي كثير من الأحيان مارست ضربات مساندة لإيران خلال الحرب الجارية ضد دول الخليج العربية، ومؤخراً فإن الجماعة الحوثية ذهبت في غيها إلى تهديد سفن المملكة العربية السعودية ومحاولة التحكم في مضيق باب المندب على غرار ما تفعله إيران في مضيق هرمز، وتعطيل التجارة الدولية في البحر الأحمر والمحيط الهندي. وليس صدفة أن هذه الميليشيات لها علاقات وثيقة بالجماعات المتطرفة سياسياً ودينياً من «القاعدة» إلى «داعش» إلى «الإخوان المسلمين» وتوابعهم. زعزعة استقرار الدول العربية الموضحة أعلاه تفضي إلى ضرورة تقديم المساندة الكاملة للدول الوطنية الساعية إلى حماية الدولة والمشاركة في الاستقرار الإقليمي.
السلطات الشرعية في اليمن والعراق ولبنان التي تدافع عن الدولة الوطنية لا تحتاج فقط إلى المساندة السياسية والاقتصادية والعسكرية؛ وإنما أكثر من ذلك مساندتها في المعركة الفكرية الراهنة في مواجهة الجماعات والميليشيات التي تستغلها وتبتزها وتهددها بالقول والسلاح.
