عبد العزيز الغيامة
صحافي سعودي منذ 1998 وحاصل على وسام الإعلام الرياضي العربي من الاتحاد العربي للصحافة الرياضية عام 2022 ورئيس لقسم الرياضة في صحيفة «الشرق الأوسط»
TT

كرة القدم في مفترق طرق!

استمع إلى المقالة

لا تبدو كرة القدم اليوم كما كانت قبل سنوات قليلة. اللعبة التي اعتادت أن تتغير ببطء، أصبحت تدخل كل عام في نقاش جديد يمس جوهرها؛ مرة بتوسيع كأس العالم إلى 48 منتخباً، ثم الحديث عن 64 منتخباً، وأخرى بكأس العالم للأندية، ثم زيادة عدد المباريات، والآن بطرح فكرة فصل الحقوق التجارية وإنشاء كيان استثماري جديد.

كل ذلك، في تقديري، يؤكد أن اللعبة تعيش مرحلة مخاض حقيقية، وأن السنوات المقبلة قد ترسم ملامح مختلفة تماماً لكرة القدم التي عرفناها.

الحقيقة التي تستحق التوقف عندها أن القضية لم تعد مرتبطة بصحة فكرة أو خطأ أخرى، بل بالاتجاه الذي تسير إليه كرة القدم. فعندما ننظر إلى مشاريع جياني إنفانتينو خلال الأعوام الأخيرة، نجد أن القاسم المشترك بينها جميعاً هو البحث عن مزيد من النمو التجاري وتعظيم الإيرادات.

لا أحد يعترض على أن يحقق فيفا موارد مالية أكبر، فكل مؤسسة رياضية تسعى إلى ذلك، إلا أن القلق يبدأ عندما يصبح العائد المالي هو المحرك الأول لمعظم القرارات الكبرى، بينما تتراجع الأسئلة المتعلقة بهوية اللعبة ومستقبلها.

الأكثر إثارة للانتباه أن هذه المشاريع تمضي بوتيرة سريعة، في وقت تبدو فيه بقية مؤسسات كرة القدم عاجزة عن فرض توازن حقيقي في صناعة القرار أو حتى فتح نقاش واسع حولها.

وسط هذا المشهد، يظل الاتحاد الأوروبي لكرة القدم الطرف الوحيد الذي يرفع صوته بوضوح. قد ينجح، وقد يفشل في إيقاف بعض مشاريع فيفا، إلا أن مجرد وجود صوت معارض يحافظ على قيمة الحوار داخل اللعبة.

بيان يويفا الأخير بشأن مشروع إنشاء الشركة التجارية الخاصة بكأس العالم لم يكن اعتراضاً على الاستثمار بقدر ما كان اعتراضاً على غياب الشفافية، وعلى فكرة التعامل مع كرة القدم بوصفها أصلاً تجارياً قابلاً للبيع والشراء.

ولعل أكثر ما يستحق التوقف عنده هو ما قاله خافيير تيباس عندما رد على اتهامات إنفانتينو لمعارضيه بنشر الكراهية، مؤكداً أن الشفافية والحوكمة والمساءلة ليست كراهية، بل واجب.

أخطر ما يمكن أن يحدث في كرة القدم برأيي هو أن يتحول طرح الأسئلة إلى تهمة، وأن تصبح مساءلة أصحاب القرار سبباً للتشكيك في النيات. المؤسسات القوية لا تخشى النقد، بل تعدّه جزءاً من عملية التصحيح، وهو ما أراد تيباس التذكير به في خضم هذا الجدل.

أما في آسيا وأفريقيا، فلا تبدو حالة الصمت أو التأييد المستمر لمشاريع فيفا أمراً مستغرباً في رأيي.

فمن يتابع تاريخ الاتحادين خلال العقود الماضية يدرك أن امتلاك موقف إداري مستقل لم يكن يوماً السمة الغالبة، بل إن السير خلف توجهات فيفا كان القاعدة في معظم الملفات، سواء كانت تلك التوجهات محل إجماع أو خلاف. وفي الوقت الذي كان يُفترض أن تشهد اللعبة أوسع نقاش إداري في تاريخها، فضلت القارتان، مرة أخرى، الوقوف في مقاعد المتفرجين، وهو ما يعكس ثقافة إدارية راسخة أكثر من كونه موقفاً فرضته الظروف.

وفي أميركا الجنوبية تظهر بين حين وآخر أصوات رافضة، لكنها سرعان ما تتراجع ولا ترتقي إلى جبهة قادرة على تغيير موازين القوى. أما اتحاد أميركا الشمالية والوسطى والكاريبي، فيبدو أن الاعتبارات الاقتصادية تبقى الأكثر حضوراً لدى غالبية أعضائه، حتى باتت المكاسب المالية تتقدم على أي نقاش يتعلق بشكل اللعبة ومستقبلها.

كرة القدم لا تحتاج إلى مقاومة كل فكرة جديدة، كما أنها لا تحتاج إلى رفض كل مشروع تجاري. ما تحتاج إليه هو توازن حقيقي بين التطوير والحفاظ على الهوية، وبين تعظيم الإيرادات وصون المبادئ التي قامت عليها اللعبة.

السنوات المقبلة لن تحسم فقط عدد المنتخبات المشاركة في كأس العالم، أو شكل البطولات، أو حجم الإيرادات. ما سيُحسم فعلاً هو سؤال أكبر: من يملك حق رسم مستقبل كرة القدم؟ وهل سيُذكر جياني إنفانتينو بكونه الرجل الذي وسّع آفاق اللعبة ومواردها، أم الرجل الذي غيّر هويتها أكثر مما غيّر مستقبلها؟