خالد البري
إعلامي وكاتب مصري. تخرج في كلية الطب بجامعة القاهرة، وعمل منتجاً إعلامياً ومراسلاً سياسياً وحربياً في «بي بي سي - عربي»، وغطى لحسابها «حرب تموز» في لبنان وإسرائيل، وعمل مديراً لمكتبها في العراق. وصلت روايته «رقصة شرقية» إلى القائمة النهائية لـ«بوكر العربية».
TT

الأخيار في مطاردة الأشرار؟

استمع إلى المقالة

الحياة غيرُ عادلة... هذه حقيقة ثابتة. من يبحث عن المنفعة يدركها. ومن يتمسَّك بما ورثه من أخلاق، تعتبر الحياة أنَّ هذه مكافأته. أرادها ونالها. بعض الأخيار يمنح تلك الإجابة نفسها مذاقاً غيبيّاً، فيقول إنَّ رب العالمين يوفي الأشرار حقَّهم دنيويّاً بينما يحتفظ للأخيار بالآخرة.

والنُّخبة من الأخيار يقدمون تفسيراً أعمق، يقولون إنَّ هذا تفوقٌ سطحيٌّ لكنَّ منظومةَ الأشرار معطوبةٌ في العمق، مجردةٌ من إنسانيتها، تفتقد مفرداتها إلى المعنى. فهي حضارةٌ منهارةٌ لا محالة. ربَّما ليس في جيلنا ولكن بالتأكيد في أجيال قادمة. كونها منظومةً قصيرةَ النظر تعيش هنا الآن، على عكس مجتمعات الأخيار الراسخة، التي لا يهزها ضنك ولو امتد لألف سنة.

ولا تتوقَّف الأدلةُ المؤيدةُ لهذا الرأي عن التَّراكم. على سبيل المثال، لدى الأخيار إرثٌ طويلٌ من الكتابات بالمعنى نفسه يمتدُّ إلى أكثرَ من قرن. لا يمكن أن يكونَ كلُّ هؤلاء على خطأ، وهم من أجيال مختلفة، يصلح أن يكون أقدمُهم جَدّاً خامساً أو سادساً لأحدثهم. بعضهم عاصرَ نظرية التَّطور وحذَّر من أثرها، وبعضهم شاهدَ الهبوطَ على سطح القمر وأكد أنَّ المنديلَ الورقيَّ أهم منه، وصولاً إلى يومنا هذا. لم يتغير يقينُهم من عصر إلى عصر، رغم كلّ ما أنجزه الأشرارُ خلالها، ممَّا يؤكد أنَّ مشكلةَ حضارةِ الأشرار في جوهرها وليست في مظاهرها ومنتجاتها.

يكتسب هذا الرأي مصداقية أكبر إن عاش صاحبُه وسط الأشرار زمناً. ويكتسب مزيداً من المصداقية إن استدلَّ في كلامه عن حضارة الأشرار بشهودِ من أهلها. هل بعد هذا دليل!

وما من شكّ أنَّ تنبؤَ تلك النخبة من الأخيار سيصدق وينصفهم الزمن يوماً. المنطق يقول إنَّ الحضارات دولٌ، تنتقل من مجتمع إلى آخر، ومن منطقة إلى أخرى، في دورات لم تتوقف عبر التاريخ. ما عليك إلا الصبر، لا تفزع إن دلَّت المؤشرات أنَّ مركز الثقل ينتقل حالياً من أشرار إلى أشرار آخرين. سيأتي دور الأخيار حتماً.

والخبرُ الجيّد أنَّك لست مُطالباً بتحمُّل فترة الانتظار كلِّها، نصيبك منها لا يتخطَّى تسعين سنة إن طالَ عمرُك، وقد تحظَى بفترة انتظار أقل بكثير إن قَصُر. في كلّ الأحوال هذه غمضةُ عينٍ من عمر التَّاريخ.

وربَّما كانت المسألةُ برمتها ذات بعدٍ وُجُوديٍّ أكبرَ منك. إنَّك ببساطةٍ جئت في الزَّمن الخطأ. قيمُك تنتمي إلى ألف سنة أو ألفين أو ثلاثة مضت. بحَّ صوتُك تطالب الزمانَ والبشرَ أن يرجعوا إلى تلك النقطة الذهبية فلا استجاب ولا استجابوا. إن قلتَ للزمان عُدْ، قالَ هذا فعلُ البشر فليختاروا القديم. فإنْ تحوَّلتَ إلى البشر قالوا، «عايزنا نرجع زي زمان»، قلْ للزمان ارجعْ يا زمان.

بل يبدو أنَّ شروطَ لعبةِ الحياة الحالية، ولقرون عدة سابقة، مرسومة على مقاس الأشرار، أبناء جهالة الغابة. تنافسٌ ومخاطرةٌ وسعيٌ يومي لصيد القوت. لا يملك الإنسان أن يستريحَ في كهفه فترة، ويطلب من إخوته البشر أن يصطادوا لأجله، ويخترعوا لأجله، ويأتوا له ولعياله بقسمة الحق. حتى اقتراح تسليم الثروات إلى هيئة مركزية ضخمة توزعها على الجميع بالعدل يرفضونه. ويسخرون منك إن طالبتهم باحترام قسمة الأدوار، أن بعضهم وظيفته الإنتاج المادي، والبعض الآخر الهداية المعنوية.

بذل أخيارٌ مجهوداً عظيماً يحاولون هداية الأشرار إلى سبيل الرشاد. لكنَّهم ردّوا بأنَّ نمط حياتهم يعجبهم. استيقظوا كل يوم، وذهبوا إلى أعمالهم في غفلة تامة عن انهيار حضارتهم. لا أكاد أتمالك نفسي من الضحك!! هل حياتهم هذه حياة!