شوقي الريّس
صحافي وكاتب لبناني في صحيفة «الشرق الأوسط». عمل مراسلاً دولياً في أوروبا وأميركا اللاتينية لعدد من أبرز الصحف والمجلات العربية، بينها «المجلة» و«الحياة» و«النهار» و«المستقبل». يكتب أيضاً في صحيفتي El Paísالإسبانية وLa Repubblicaالإيطالية. يحمل إجازة في العلوم السياسية ودكتوراه دولة في العلاقات الدولية من جامعة مدريد، وعمل مترجماً شخصياً للعاهل الإسباني الملك خوان كارلوس الأول على مدى 16 عاماً. كما يدرّس مادة المنظمات الدولية في جامعة بيروت اليسوعية، وجامعة مدريد المستقلة، وجامعة جنيف.
TT

وما أدراك ما المافيا... فكُ رموزها ومقاضاتها

استمع إلى المقالة

المافيا اصطلاح تعبيري نشأ وترسّخ للدلالة على التنظيمات الإجرامية التي تنشط في جزيرة صقلية وبعض مقاطعات الجنوب الإيطالي، ثم تحوّل مع مرور الزمن توصيفاً ملازماً للكثير من شبكات الإجرام المنتشرة في بلدان كثيرة، ويعود بعضها، مثل «الترياد» الصينية، إلى النصف الثاني من القرن الثامن عشر عندما ظهرت كجمعية سرية مناهضة لسلالة «كينغ»، أو «الياكوزا» اليابانية التي تأسست مطالع القرن السابع عشر.

لكن من بين جميع المافيات المنتشرة في أنحاء العالم، تنفرد المافيا الإيطالية ومشتقاتها بكونها الوحيدة التي تركت أثراً عميقاً في الثقافة الشعبية تمثّل في الكثير من الأعمال الأدبية والمسرحية والأفلام السينمائية والمسلسلات، إلى جانب تمتعها بنفوذ اقتصادي واجتماعي وازن جعل منها لاعباً مؤثراً في الحياة السياسية.

يقدّر المجلس الوطني للاقتصاد والعمل في إيطاليا أن إجمالي مداخيل منظمات المافيا يناهز 8 في المائة من إجمالي الناتج القومي، أي ما يعادل 150 مليار يورو سنوياً، وأنه يكاد لا يوجد قطاع اقتصادي واحد في منأى عن نشاطها، وأن عدد الذين «توظفهم» شبكات المافيا الإجرامية ينوف على عدد الموظفين والعمّال الذين تستخدمهم شركة «فيات» والمؤسسات الصناعية التابعة لها.

الأخبار المتداولة عن المافيا في وسائل الإعلام تسلّط الضوء على سطوتها الاجتماعية وفظائع جرائمها، وفضائح الفساد التي تقف وراءها، لكنها نادراً ما تتوقف عند الإنجازات الكبيرة التي حققتها الأجهزة القضائية والأمنية في إيطاليا على مرّ العقود المنصرمة، ومصادرات الأصول التي تقدّرها الدراسات بما يزيد على 15 مليار يورو سنوياً.

إيطاليا هي الدولة الوحيدة في العالم التي شكّلت لجنة برلمانية دائمة مخصصة لمتابعة أنشطة المافيا وسنّ تشريعات لمكافحتها. كما أن معظم زعماء المافيا الكبار وقعوا في قبضة الأجهزة الأمنية وأحيلوا إلى القضاء، حيث خضعوا لمحاكمات علنية كانت أشهرها تلك التي مثُل فيها «التائب» تومّاسو بوستّه أمام القضاء عام 1984 ليكشف أسرار وطرائق عمل المنظمة التي كانت روّعت إيطاليا طيلة عقود وتغلغلت في مفاصل مؤسساتها حتى بلغ الإحباط من إمكان السيطرة عليها حد مطالبة احد النواب بإعلان شرعيتها.

وقد دفعت إيطاليا ثمناً باهظاً في حربها ضد المافيا التي اغتالت نخبة من القضاة وقادة الأجهزة الأمنية المكلّفة مكافحتها، كان أبرزهم القاضي جيوفاني فالكوني الذي راح ضحية انفجار هائل مع زوجته ومرافقيه في ربيع عام 1992.

يعود الفضل لفالكوني في فك رموز أساليب المافيا من خلال استدراج بعض زعمائها للكشف عنها مقابل الإعفاء من العقوبات أو تخفيفها وتوفير الحماية لهم، بعد أن أدرك «أن المافيا أكثر فاعلية وتنظيماً من الدولة، وأن مكافحتها مستحيلة من غير معرفتها حق المعرفة». وكان يقول: «إذا كنّا نريد القضاء على المافيا، يجب أن نكفّ عن تصويرها كأخطبوط متوحش أو سرطان يتفشّى، وأن نعرف بأنها تشبهنا».