تتسم صناعة الروبوتات في الولايات المتحدة، في مجملها، بالنمو البطيء، والمشاريع شديدة التخصيص. اليوم، يعد الذكاء الاصطناعي بتغيير هذا الواقع، خاصة فيما يتعلق بالروبوتات القادرة على الحركة، والعمل بأمان حول البشر.
أواخر الشهر الماضي سادت أجواء التفاؤل «معرض أوتوميت» في شيكاغو، حيث عرضت شركات تصنيع الروبوتات ومزودو البرمجيات منتجاتهم. وصرح مسؤول تنفيذي رفيع المستوى من كبرى شركات تصنيع الروبوتات في اليابان بأن الصناعة مُهيأة لإنجاز نمو هائل. أما شركات الذكاء الاصطناعي المتعاونة مع مُصنّعي الروبوتات، بما في ذلك شركة «إنفيديا» وشركة «إنترنسيك»، التابعة لـ«غوغل»، فتبدي حماسة كبيرة تجاه مستقبل الأتمتة. كما أثارت الروبوتات الشبيهة بالبشر -التي لم تُصبح جاهزة للاستخدام على نطاق واسع بعد- حماسة واسعة النطاق، بشكل عام.
أما المشكلة هنا، فإنها تكمن في أن هذه الحماسة لا تتطابق مع الواقع القائم داخل المصانع.
ويعود ذلك إلى ما تتسم به صناعة الروبوتات من تعقيد؛ فقد يقع الكثير من المشكلات التي يمكن أن تُحوّل جهود توفير المال إلى مصدر للخسائر. بوجه عام، تُحقق الأتمتة أفضل نتائجها في المهام المتوقعة، والمتكررة، وذات الحجم الكبير. ولذلك هيمنت صناعة السيارات على طلبات الروبوتات لعقود، مع اضطلاع الآلات بمهام اللحام، والطلاء، وتركيب الزجاج الأمامي، وغيرها من المهام التي تتطلب رفع أوزان ثقيلة، أو تكراراً مملاً لتجميع نحو 10 ملايين سيارة سنوياً في الولايات المتحدة.
بوجه عام، يصعب إعداد وبرمجة هذه الأنظمة الآلية، التي تُبنى عادةً حول أذرع روبوتية. وغالباً ما تحتاج إلى قطع غيار مصممة خصيصاً لربط الآلات، وأجهزة الاستشعار المختلفة. وأسفر هذا التعقيد عن ظهور شركات التكامل، أو الشركات المتخصصة في تركيب أنظمة الأتمتة.
من المفترض أن يقلل الذكاء الاصطناعي من التعقيد، وتكاليف التشغيل، عبر تزويد الروبوتات بذكاء اصطناعي داخلي يجعل البرمجة في مستوى سهولة إصدار أمر صوتي. وبمرور الوقت ستتمكن الروبوتات من إنجاز مهام متعددة، وتطوير كفاءتها. ومن المعتقد أن هذه التكنولوجيا تفتح آفاقاً أوسع في مجالات الاستخدام، وتحفز المبيعات للشركات المصنعة الصغيرة، والمتوسطة. مع ذلك، لا تزال هذه مجرد وعود في الوقت الحالي.
ويعتبر عدد طلبات الروبوتات الصناعية في الولايات المتحدة مؤشراً واقعياً جيداً. وتكشف الأرقام أن عدد الروبوتات تراجع من ذروته البالغة 44196 روبوتاً عام 2022، عندما واجهت الشركات صعوبة في توظيف العمال خلال جائحة «كورونا»، إلى 36766 روبوتاً العام الماضي -رقم يزيد قليلاً عن المتوسط السنوي على مدى عشر سنوات، والذي يقل قليلاً عن 35000 روبوت، بحسب «جمعية تطوير الأتمتة».
وينبغي التنويه هنا إلى أن هذه الأرقام لا تشمل الروبوتات المتحركة ذاتية التشغيل الصغيرة، التي انتشرت بكثرة في المستودعات، والمصانع، والتي تُستخدم في الغالب لنقل البضائع إلى البشر. كما أن روبوتات الخدمة، الأكثر شيوعاً في آسيا، لا تُصنف ضمن الروبوتات الصناعية.
الملاحظ أن مقومات ازدهار صناعة الروبوتات متوافرة بالفعل، وهناك توجه نحو تصنيع المزيد من السلع في الولايات المتحدة، وتستمر قدرات الروبوتات في التحسن، مع انخفاض تكلفة الكاميرات، وأجهزة الاستشعار. وتعكف شركات البرمجيات حالياً على إيجاد حلول لجعل الروبوتات أكثر ذكاء، وأسهل برمجة.
بالإضافة إلى ذلك، تتولى شركات «فانوك» و«ياسكاوا إلكتريك» و«تيراداين» بناء مصانع للروبوتات الصناعية في الولايات المتحدة. ورغم أن الروبوت الصناعي جرى تطويره للمرة الأولى في الولايات المتحدة في ستينات القرن الماضي، فإن اليابانيين والألمان باتت لهم الهيمنة على هذه الصناعة. أما اليوم، يحقق مصنّعو الروبوتات الصينيون نمواً سريعاً. وتُعدّ شركة «ستاندرد بوتس»، وهي شركة أميركية ناشئة في مجال تصنيع الروبوتات، من الشركات التي تعمل على توسيع نطاق إنتاجها، ما يُعزّز التفاؤل بشأن تحقيق طفرة محتملة في هذه الصناعة.
أما المؤشر الرئيس لهذا الارتفاع المتوقع، فإنه يتركز في التوسع السريع في طلبات الروبوتات الصناعية، بخاصة خارج قطاع صناعة السيارات. إذا تحققت وعود الكفاءة، والتوفير، وسهولة التشغيل، فسيزداد الطلب. إلا أن هذا ليس أمراً مفروغاً منه. وتكمن العقبة الكبرى الأولى في ندرة بيانات التصنيع التي تحتاج نماذج البرمجيات إلى التدريب عليها. اليوم، لا توجد قواعد بيانات عامة ضخمة -مثل الإنترنت- التي كانت تغذي نماذج اللغة الكبيرة الشائعة. ويجب على مصنعي الروبوتات وشركائهم في مجال البرمجيات إقناع المصنّعين بمشاركة بياناتهم.
وستساعد البيانات والنماذج الأساسية -التي تصور سيناريوهات العالم الحقيقي- في تدريب الروبوتات على أداء مهام متعددة داخل خلية تصنيع تقليدية، ما يقلل من حاجة المنتجات إلى التنقل داخل المصنع. وقالت ويندي تان وايت، الرئيسة التنفيذية لشركة «إنترنسيك»، وهي شركة برمجيات روبوتات وذكاء اصطناعي تابعة لشركة «ألفابيت إنك»: «سيتمكن المنتجون من تشغيل دفعات أصغر، وتغيير المنتجات بسرعة أكبر».
وأضافت تان وايت، التي أسست شركات عدة من بينها شركة «مونفروت»، لبناء المواقع الإلكترونية عام 1999: «إذا أمكن استخدام البرمجيات لجعل جميع الأجهزة متوافقة، وجعل مهارات الذكاء الاصطناعي الجديدة متوافقة كذلك، فإنه سيمكننا فجأةً بناء خلايا مرنة للغاية لأداء مهام متعددة حتى داخل خلية واحدة». وستشكل السلامة تحدياً أكبر مع الروبوتات المتنقلة، سواء كانت ذات عجلات، أو ذات ساقين؛ فبدلاً من الروبوتات المعزولة المبرمجة لمهمة محددة على خط إنتاج ثابت، سيكون المستقبل لأنظمة مُعرّفة بالبرمجيات تتبادل المعلومات، وتنسق بين الكثير من الروبوتات.
ويُعدّ التشغيل الآلي مفتاحاً للولايات المتحدة لإعادة توطين التصنيع، والحفاظ على قدرتها التنافسية من حيث التكلفة. كما تُخفف الروبوتات من نقص العمالة الذي سيزداد حدةً مع بلوغ عدد سكان العالم ذروته وبدء انخفاضه، وهو اتجاه قائم بالفعل في الدول المتقدمة. وستتيح الروبوتات فصل النمو الاقتصادي عن النمو السكاني، ما يُتيح مزيداً من الثروة، ووقت الفراغ للبشر.
أما الخطوة التالية، فستكون تمكين الذكاء الاصطناعي من أتمتة المزيد من المهام، وتوسيع نطاق استخدام الروبوتات ليشمل، بالإضافة إلى المصانع والمستودعات، المطاعم، والمتاجر، والمستشفيات، وحتى المناطق غير المنظمة، مثل مواقع البناء.
الحقيقة أن رؤية توسع استخدام الروبوتات في المهام اليومية والحياة قائمة، لكن العمل الجاد لتحقيقها لا يزال جارياً.
*بالاتفاق مع «بلومبرغ»
