عبد الله بن يحيى المعلمي
المندوب السابق للمملكة العربية السعودية لدى الأمم المتحدة
TT

مَن سيخلف غوتيريش على رأس الأمم المتحدة؟

استمع إلى المقالة

بعد أشهر قليلة، وتحديداً في 31 -12 -2026، سوف تنتهي الفترة الثانية للسيد أنطونيو غوتيريش، على رأس الأمانةِ العامة للأمم المتحدة بعد أن أمضى في هذا المنصبِ عشرةَ أعوام.

بدأتِ الآن الاستعداداتُ لعملية اختيار أمينٍ عام جديد، ولا تخلو هذه العملية من تعقيدات وظروف استثنائية عدة، منها أنَّ الفرصة لشغل هذا المنصب كانَ ينبغي أن تكونَ لمجموعة دولِ أوروبا الشرقية؛ وذلك وفقاً لمبدأ التداول في المواقع بين المجموعات الخمس، وهي: آسيا والباسيفيك، وأفريقيا، وأوروبا الشرقية، وأوروبا الغربية وآخرون، وأميركا اللاتينية.

إلا أنَّ إخفاق دول أوروبا الشرقية في التوافق على مرشح واحد أدَّى إلى إضعاف جميع المرشحين من هذه المجموعة؛ مَّا دفع مجلس الأمن إلى الانتقال لاختيار الأمين الجديد في ساحة مفتوحة للجميع.

كما أنَّ هناك مطالبات واسعة النطاق بأن يكونَ الأمينُ العام الجديد امرأةً حيث لم يسبق أن حدثَ ذلك في تاريخ الأمم المتحدة عبر عمرها البالغ أكثرَ من ثمانين عاماً في حين توالى على المنصب تسعةُ رجال: أربعةٌ من أوروبا الغربية واثنان من آسيا واثنان من أفريقيا وواحد من أميركا اللاتينية.

وعندما لم ينجح أحد من مرشحي أوروبا الشرقية (ذكوراً أو إناثاً) في الحصول على المنصب، عاودت دولُ مجموعة أميركا اللاتينية المطالبة بأن يقتصرَ الاختيار على مرشحٍ من هذه المجموعة كون أنَّها التالية لأوروبا الشرقية في ترتيب التداول، وهي ما زالت تطالب بهذا (الحق) في الانتخابات الحالية.

تمرُّ عملية الانتخابات بعدد من المراحل والخطوات، من بينها أنَّ الجمعية العامة تعقد جلسات استماع عدة يقدم فيها المرشحون واحداً تلو الآخر ملخصاً لبرنامج عملهم وأفكارهم وتطلعاتهم، ثم تُتاحُ الفرصةُ لأعضاء الجمعيةِ العامة لمناقشة كلّ مرشح والحوار معه.

في أكتوبر (تشرين الأول) المقبل سوف يعقد مجلس الأمن، تحت رئاسة الصين، جلسات عدة متتابعة للتصويت على المرشحين، وتبدأ عملية التصويت بشكل غير رسمي بأن يطرحَ كلُّ عضوٍ من أعضاء مجلس الأمن أنبوباً صغيراً من القش في صندوق معنون باسم المرشح الذي يختاره.

تتم هذه العملية بصورة سرية دون أن يعرف لمن صوت كل عضو، ولكنَّ الدولَ دائمة العضوية التي ترغب في الاعتراض على أحد المرشحين سوف تستعمل اللونَ الأحمرَ في تصويتها على المرشح الذي تعترض عليه.

في هذه الجولة سوف يتَّضح عددُ الأصوات التي حصل عليها كلُّ عضو، وما إذا كان قد حصل على صوت أحمرَ أو أكثر؛ ما قد يؤدي إلى انسحاب واحد أو أكثرَ من المرشحين.

لكي يفوزَ المرشح يجب أن يحصل على تسعة أصوات على الأقل، من بين أعضاء المجلس الخمسة عشر، وألا يكونَ قد تم التصويت عليه باللون الأحمر من قِبل أحد الأعضاء الدائمين.

أعضاء مجلس الأمن في الدورة الحالية المنوط بهم اختيار الأمين العام هم: الولايات المتحدة، وروسيا، وبريطانيا، وفرنسا، والصين، والبحرين، والصومال، وكولومبيا، والكونغو الديمقراطية، والدانمارك، واليونان، ولاتفيا، وليبيريا، وباكستان وبنما.

بعد أن يتَّفق المجلسُ على اختيار مرشح واحد للمنصب يتم عرضُ التوصية بتعيين المرشح المختار على الجمعية العامة، التي يطلب منها التصديق بالأغلبية المطلقة على الترشيح لكي يصبحَ نافذاً.

المرشحون وحظوظهم في الفوز بالمنصب: يوجد في قائمة المرشحين حالياً سبعة مرشحين رسميين وعدد من المرشحين المحتملين الذين ينتظرون كيف تسير الأمور ليقرروا ما إذا كانوا سيدخلون ميدان المنافسة أم لا.

أول المرشحين هي السيدة ريبيكا غرينسبان من كوستاريكا، وهي تشغل حالياً منصبَ أمين عام منظمة الأمم المتحدة للتجارة والتنمية، وسبق لها العمل في عدد من المناصب الدولية والوطنية، منها نائب رئيس الجمهورية في كوستاريكا.

تتميَّز السيدة غرينسبان بخبرتها الطويلة في العمل على الصعيدين الوطني والدولي، وتحظى بتأييد قوي من الولايات المتحدة وبعدم وجود معارضة قوية لها من الدول الكبرى، ولكن يؤخذ عليها تقدُّمُها في السن، حيث يتجاوز عمرها السبعينَ عاماً كما أنَّها مرَّت بتحديات صحية تقول إنَّها قد تجاوزتها، كما يقال عنها إنَّها صهيونيةُ التَّوجه، حيث إنَّ ديانتها هي اليهودية وإنَّها متزوجة من سياسي كوستاريكي ناشط في المنظمات اليهودية، وإنَّ هذا التوجه قد يثير عليها اعتراضاتٍ من روسيا وفرنسا ومن عدد من الدول الإسلامية في المجلس.

تنفي السيدة غرينسبان تهمةَ الصهيونية وتؤكّد على قناعتها بحلّ الدولتين وإن كانت لا تخفي تعاطفها مع إسرائيل (وحقها في الوجود).

قد تتمكَّن باكستان بالتعاون مع الصومال والبحرين من قيادة تحالف مضاد للسيدة غرينسبان لمنع وصولها إلى المنصب، ولكنَّها تظل في كل الأحوال أحد أقوى المرشحين.

المرشح القوي الثاني هو السيد رافاييل غروسي، المديرُ العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية، ويبلغ من العمر خمسةً وستين عاماً، ويحمل الجنسيتين الأرجنتينية والإيطالية.

يحظى السيد غروسي بتأييد قوي من الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا، ويحسبون له مواقفه القوية تجاه إيران وتمسكه بأداء دور فعال للوكالة في التفتيش على المنشآت النووية الإيرانية، كما تحسب له خبرته الطويلة في العمل الدبلوماسي والدولي، ولكن البعض يأخذ عليه أنَّ جنسيته الإيطالية قد تشكّل التفافاً حول مبدأ التداول واستمراراً لسيطرة أوروبا الغربية على منصب الأمين العام.

إذا لم تنجحِ السيدةُ غرينسبان في الفوز بالمنصب وإذا اتَّضح عدم إمكانية ترشيح سيدة أخرى للمنصب، فإنَّ حظوظ السيد غروسي تصبح كبيرة، خاصة إذا تمكَّن من التغلب على الحذر والتحفظات الروسية والصينية، وقد تسعى الولايات المتحدة إلى العمل على إقناع دول صديقة لروسيا والصين (مثل المملكة العربية السعودية) بالموافقة على ترشيح السيد غروسي.

المرشحات الثلاث التوالي هن: ميشيل باشيليه، رئيسة تشيلي السابقة، وتبلغ من العمر أربعة وسبعين عاماً.

ماريا فيرناندو إسبينوزا، وزيرة خارجية الإكوادور السابقة، وتبلغ من العمر اثنين وستين عاماً.

أمينة محمد، نائبة الأمين العام للأمم المتحدة حالياً ووزيرة البيئة في نيجيريا سابقاً، وتبلغ من العمر خمسة وستين عاماً.

هؤلاء المرشحات يتمتَّعن بخبرةٍ طويلة على الصعيدين الوطني والدولي، إلا أنَّهن يواجهن مشكلة أنَّ ترشيحهن قد تمَّ من قِبل عدد من الدول الأفريقية واللاتينية ليس من بينها الدول التي ينتمين إليها، كما أنَّهن جميعاً يصطدمن بمعارضة قوية من قِبل الولايات المتحدة بسبب توجهاتهن الفكرية والسياسية التي لا تتوافق مع التوجه اليميني لإدارة الرئيس ترمب، وأخيراً فإنَّ السيدة أمينة محمد تحمل الجنسية البريطانية، إضافة إلى جنسيتها النيجيرية؛ ما قد يستدعي الاعتراض بناءً على العرف القاضي بعدم ترشح أحدٍ من مواطني الدول الخمس دائمة العضوية إلى منصب الأمين العام.

المرشحُ السادس هو السيد ميكي سال، رئيسُ جمهوريةِ السنغال السابق، يبلغ من العمر خمسةً وستين عاماً، تمَّ ترشيحه من قِبل عدد من الدول الأفريقية ليس من بينها السنغال، بل إنَّ السنغال وأكثرَ من عشرين دولة إفريقية تقدَّمت باعتراض رسمي على ترشيحه.

المرشحة السابعة هي السيدة كارولين رودريغز، المندوبة الدائمة لغويانا لدى الأمم المتحدة ووزيرة خارجية غويانا سابقاً، وتبلغ من العمر اثنين وخمسين عاماً (وهي بذلك تكون أصغر المرشحين سنّاً). وتتميز السيدة رودريغز بأنَّها امرأة من أميركا الجنوبية وتتمتع بتأييد قوي من رئيس بلادها السيد محمد عرفان، وهي لا تواجه اعتراضات جوهرية من أي من الأعضاء الدائمين، وإن كان البعض يشير إلى أنَّ بريطانيا قد تعرقل ترشيحَها بسبب خلافات قديمة بين بريطانيا وغويانا بسبب أمور عالقة منذ وقت استقلال غويانا عن بريطانيا. تجدر الإشارة إلى أنَّ غويانا هي الدولة الوحيدة في أميركا اللاتينية التي تنتمي إلى عضوية منظمة التعاون الإسلامي.

السيدة رودريغز توصف بأنَّها (عديمة اللون والطعم والرائحة)، وبالتالي فإنَّها قد تصبح المرشحَ الأمثلَ للتسوية في حالة عدم التوافق على مرشح آخر في الوقت المناسب، وهي بذلك تكرّر حالة انتخاب السيد خافيير بيريز دي كويار، الذي كان مندوباً دائماً لبلاده البيرو لدى الأمم المتحدة، وكانَ سفيراً مغموراً، ولكنَّ الخلافاتِ الحادة بين الولايات المتحدة وروسيا حالت دون التوافق على مرشح آخر؛ ما ساعد على اختياره وبقائه في المنصب عشرةَ أعوام.

بقي أن نتطرَّقَ إلى مجموعة من (اللامرشحين) وهم شخصياتٌ لم يُعلن عن ترشيحهم رسمياً، ولكنَّ أسماءَهم تظل مطروحةٌ للتداول في حالة تعثر عملية اختيار مرشح آخر، ومن بين هؤلاء يبرز اسمُ السيد نيكولاي ملادينوف من بلغاريا، ويعمل حالياً منسقاً لمجلس السلام في الشرق الأوسط، والسيد فوك يرميتش، وزير خارجية صربيا السابق والسيد فولكر تورك، دبلوماسي نمساوي يعمل حالياً مفوضاً عامّاً لحقوق الإنسان في الأمم المتحدة، والسيدة جاسيندا أرديرن رئيسة وزراء نيوزيلندا السابقة، وأخيراً لا آخراً السيدة لانا نسيبة، وزيرة الدولة للشؤون الخارجية في دولة الإمارات العربية المتحدة والمندوبة الدائمة السابقة للإمارات لدى الأمم المتحدة.

الطريقُ نحو اختيار الأمين العام الجديد ما زال طويلاً، ولكن المؤكد هو أنَّ الأمينَ الجديد سيكون في غالب الأمر نتيجةَ توافق أميركي - صيني، وسوف نتابعُ هذه العمليةَ باهتمامٍ وترقب.

* المندوب السابق للمملكة العربية السعودية لدى الأمم المتحدة