استناداً إلى إحصاءات رسمية، تولّى رئاسة الحكومة البريطانية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية إلى اليوم 18 رئيس حكومة. ومن المتوقع أن يزيد الرقم واحداً في القريب العاجل بعد الاستقالة المدوّية للسير كير ستارمر مؤخراً. ستة من رؤساء الحكومات الثمانية عشر كانوا في السنوات العشر الأخيرة، والسابع قادم في الطريق. أربعة منهم لم يصلوا إلى الحكم عبر صناديق الانتخابات العامة، والخامس قادم في الطريق أيضاً.
بعض منهم تولّى الحكم لفترتَين، واثنان منهم -مارغريت ثاتشر وتوني بلير- لثلاث فترات. وتُعدّ ليز تراس الأقصر مدّة في الحكم، إذ لم تتجاوز مدتها خمسين يوماً.
في فترة الخمسينات والستينات، قضى أنطوني إيدن وإليك دوغلاس هيوم، من حزب المحافظين، أقصرَ مدة في الحكم؛ الأول لمدة عامين (1955-1957)، والثاني لمدة عام واحد (1963-1964). الأطول فترة في الحكم كانت السيدة ثاتشر من حزب المحافظين، لمدة 11 عاماً، يليها توني بلير من حزب العمال 10 أعوام. وكل رئيس حكومة توفر له الدولة بعد مغادرته الحكم حراسة دائمة، وراتباً سنوياً بقيمة 115 ألف جنيه إسترليني، يتساوى في ذلك من قضى في الحكم 11 عاماً أو من قضى أقل من شهرين. لنتخيل كم ستزيد الميزانية السنوية للدولة لو تواصل تعيين وخلع رؤساء الحكومات على هذا النحو الذي شاهدناه في السنوات الأخيرة!
استقالة رئيس الحكومة العمالية، السير كير ستارمر، هذه الأيام بعد نحو عامين فقط في الحكم (رغم أغلبيته المريحة في انتخابات 2024)، وتوقع اختيار الحزب بديلاً له في الفترة القريبة المقبلة من دون انتخابات عامة، أثارت نقاشاً واسعاً في وسائل الإعلام تمحور حول المسألة الديمقراطية - المبدأ والآليات. تتجسد الإشكالية في تعرضهما للتجاهل مؤخراً من خلال تهميش دور الناخب في اختيار من يحكمه، وتعرّض تلك الآلية للسرقة أو الاختطاف من قِبل الحزبَين الرئيسيَّين (العمال والمحافظين)، باللجوء إلى استبدال رؤساء حكومات غير منتخبين بآخرين منتخبين عبر الصناديق العامة.
أمران جديران بالملاحظة والاهتمام. الأول أن العملية الديمقراطية، إذا استمر الحال على هذا المنوال والسرعة، ربما تكون في طريقها قريباً للتغير أو التحوّل إلى ما يشبه الزينة أو الفولكلور؛ كما هو الحال مثلاً مع شجرة عيد الميلاد المسيحي، حيث يتم إحضارها إلى البيت وقت اللزوم وتزيينها، وبعدها يتم التخلص منها لدى انقضاء الحاجة إليها. الأمر الثاني يتمثّل في ثقة المواطن بنظامه السياسي وآلياته الديمقراطية؛ إذ يبدو واضحاً انحسار تلك الثقة بسرعة مؤخراً. فهو -أي الناخب- بات يعرف أن صوته الانتخابي أصبح بلا معنى أو فائدة؛ لأن الزعيم الذي يختاره ويمنحه صوته ويفوز بالانتخابات لن يدوم طويلاً في المنصب، وينتهي الحال بنواب أو كوادر حزبه لإحلاله محل آخر. المشكلة أن من يأتون للحكم على هذا النحو لا يمرون بالآلية الانتخابية العامة نفسها، فهم في أغلب الأحيان يتم اختيارهم من خلال أعضاء ونواب الحزب عبر منافسة داخلية، أو «تتويج». قد يقول قائل إن النظام البريطاني قائم أصلاً على انتخاب الحزب لا الشخص، وهذا ليس استثناء طارئاً بل مبدأ دستوري راسخ. الناخب يصوّت للبرنامج الحزبي، وتغيير الزعيم داخل الحزب ليس بالضرورة خيانة للإرادة الشعبية. وهو قول صحيح، المشكلة، استناداً إلى رئيس وزراء سابق ريشي سوناك، أن كل رئيس حكومة جديد يأتي للحكم تتغير الأولويات الحكومية، الأمر الذي يحول دون الاستقرار الاقتصادي.
أفضل مثال على ذلك يتجسّد في ليز تراس التي اختارها أعضاء حزب المحافظين، وجاءت ببرنامج سياسي واقتصادي مختلف تسبب في كارثة سياسية واقتصادية. لذلك، في عملية حاسمة وعاجلة للتقليل من حجم الكارثة ووقفها، قام نواب الحزب بإسقاطها واختيار ريشي سوناك بديلاً لها، من دون اللجوء حتى إلى الأعضاء.
الآن، ووفق ما يُنشر من تقارير في وسائل الإعلام البريطانية عقب تنحي ستارمر، هناك احتمال كبير أن يلجأ نواب حزب العمال إلى التدخل في الاختيار بإقناع اللجنة التنفيذية للحزب بتفادي فتح باب التنافس، وتتويج مرشح واحد؛ تفادياً لتضييع الوقت، وتجنباً لقيام حرب أجنحة داخلية. وقد يتم عرض الشخص المُتوّج على الأعضاء للاستفتاء عليه، أو لا يتم.
تبقى الإشارة مهمة إلى أن المرشح الأبرز لهذا التتويج هو النائب آندي بيرنهام (عمدة مانشستر السابق). وتتويجه السريع يفوّت على الأعضاء في الحزب والناخبين البريطانيين عموماً فرصة التعرف عليه من خلال تمحيص برنامجه السياسي والاقتصادي، والكيفية التي يقترحها لإنقاذ البلاد من أزماتها الحالية، وكيف سيتعامل مع ضغط تيارات اليمين الصاعد وأزمة المهاجرين غير القانونيين؛ الأمر الذي يتعارض جوهرياً مع المبدأ الديمقراطي والآلية الديمقراطية في بلد يفتخر بكونه أول بلد في العالم يتبنّى الديمقراطية البرلمانية، وأسس أول برلمان ديمقراطي.
