علي المزيد
كاتب وصحفي سعودي في المجال الاقتصادي لأكثر من 35 عاما تنوعت خبراته في الصحافة الاقتصادية وأسواق المال. ساهم في تأسيس وإدارة صحف محلية واسعة الانتشار والمشاركة في تقديم برامج اقتصادية في الإذاعة السعودية، ومدير التحرير السابق لصحيفة الشرق الأوسط في السعودية وهو خريج جامعة الملك سعود.
TT

جلب السيولة

تسعى الدول لجلب السيولة لأسواقها بكل الطرق وعبر الاستثمار، فمثلاً، حينما وقعت أزمة الرهن العقاري في الولايات المتحدة الأميركية عام 2008 ميلادية، قامت حكومة الرئيس الأميركي باراك أوباما في حينه، بسنِّ قوانين وأنظمة جديدة لجذب سيولة لسوق العقار الأميركية. ومنحت مَن يشتري عقاراً في أميركا بمبلغ 150 ألف دولار (562500 ريال) الإقامةً له ولفرد من عائلته، ومَن يشتري عقاراً في أميركا بقيمة 300 ألف دولار (1125000 ريال) يُمنح الإقامة و3 أفراد من عائلته، بمعنى أنها أصدرت قرارات جديدة تمنح امتيازات للمستثمرين في سوق العقار لجذب سيولة لها، وإذا أتت السيولة فإنها لا تخدم نشاطاً واحداً، بل تتوزع على أنشطة اقتصادية عدة، فمن يرغب في الاستثمار سيذهب للاطلاع على البلد، فيسكن فندقاً، وقبل ذلك حجز تذكرة طيران أو قطار أو حضر بسيارته، وجميعها تحتاج إلى مصاريف مالية تستفيد منها قطاعات عدة؛ ثم نأتي لمَن اقتنع واستثمر، هو ببساطة شديدة جداً ساعد على نمو سوق الوساطة العقارية.

أما إذا رغب المستثمر ببناء برج مثلاً، فهو يشغل نحو 30 مهنة ونشاطاً معه، فمثلاً سيستخدم الأسمنت والحديد، شغل هذا المستثمر مصانع الأسمنت والحديد ومصانع الخرسانة المسلحة هذا مثلٌ فقط، أما المهن فيشتغل الحداد والنجار والكهربائي وغيرهم، بمعنى أنت جلبت سيولة لقطاع واحد، لكن هذه السيولة توزَّعت على قطاعات عدة، حتى بعد الانتهاء من بناء البرج فإنه يحتاج إلى كهرباء وماء واتصالات، فجلبت سيولة لشركات هذه الأنشطة.

استحضرت ذلك حينما قرر مجلس الوزراء السعودي، الأسبوع الماضي، تفعيل قرار تملك الأجانب العقار في السعودية، وبدايةً حدد مناطق الاستثمار للأجانب في مناطق محددة، فمثلاً تملك الأجانب في الرياض، يشمل مشاريع القدية، وبوابة الدرعية، والمربع الجديد، ومركز الملك عبد الله المالي.

مكة المكرمة، تشمل وجهة مسار، وجبل عمر، ومنطقة أبراج مكة.

المدينة المنورة، تشمل مدينة المعرفة الاقتصادية، ودارة الهجرة، ورؤى المدينة.

جدة، تشمل مشروع وسط جدة و55 منطقة تطويرية أخرى.

والقرار جاء مقصوراً على مدن ومناطق محددة، وكنت أرجو أن يشمل هذا التفعيل مدناً ومناطق أكثر في السعودية، ولكني أظن أن المشرع في السعودية أراد أن يختبر هذا النوع من الاستثمار ومدى نجاحه ومن ثم تعميم التجربة، وأعتقد أن الهدف من قصره على مناطق معينة في المدن، يهدف إلى تجربة الاستثمار العقاري الأجنبي في المناطق الناضجة، من حيث كود البناء والبنية التشريعية والتطويرية العقارية، ومن ثم ضم كل منطقة تجهز، من حيث التطوير والتشريع، للمناطق المرخص للمستثمر الأجنبي الاستثمار بها.

وهذا القرار يخدم قراراً سابقاً أطلقته السعودية، وهو قرار التوازن العقاري، والذي يهدف لجعل سعر الأرض أو إيجار العقار في متناول المستهلك، فإذا سمحت للمستثمر الأجنبي بالتملك والتطوير فقد سمحت بتطوير أكثر للأراضي الخام، وزادت عدد الوحدات القابلة للبيع أو الإيجار فزاد العرض ما يحقق التوازن، وهناك أسباب أخرى تجلب المستثمر الأجنبي للسعودية، منها شراء المقرات للشركات الأجنبية بدلاً من الإيجار، وشراء المساكن لكبار التنفيذيين في الشركات الكبرى، كما أن هناك مستثمرين سيشترون عقاراً في مكة المكرمة والمدينة المنورة بدافع عقائدي.

والمستثمر حينما يضع قدمه في بلد معين، فإن ذلك قد يقوده للاستثمار في أنشطة أخرى مثل سوق الأسهم أو تأسيس الشركات، فكلما توطن الاستثمار في بلد معين وفي نشاط معين، قاد ذلك للاستثمار في أنشطة أخرى متى كانت القوانين واضحة، وتحدد مسؤوليات كل طرف بوضوح، لتحمي حقوق المستثمر وحقوق البلد... ودمتم.