د. سعاد كريم
باحثة لبنانية
TT

كرة القدم... من لعبة رياضية إلى فضاء يدر ذهباً

استمع إلى المقالة

يشهد العالم منذ الحادي عشر من يونيو (حزيران) 2026، أضخم حدث لمونديال كأس العالم لكرة القدم الذي يمثِّل محرِّكاً اقتصادياً عالمياً هائلاً، يتنقَّل بين دول ثلاث: الولايات المتحدة، وكندا، والمكسيك. وهي النسخة الـ23 من بطولة كأس العالم التي ينظِّمها الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) وتمتد حتى التاسع عشر من يوليو (تموز) 2026.

يشارك في هذه البطولة 48 منتخباً؛ منها 4 منتخبات في مشاركة أولى لها في تاريخها: الأردن، وأوزبكستان، والرأس الأخضر، وكوراساو (أصغر دولة من حيث التعداد السكاني الذي يبلغ 160 ألف نسمة)، كما تشارك 8 منتخبات عربية في البطولة (الأردن، والمغرب، والسعودية، وتونس، ومصر، والجزائر، وقطر، والعراق)؛ حيث تُختم المباراة النهائية على أرضية «ملعب ميتلايف» في مدينة إيست روثرفورد بولاية نيوجرسي في الولايات المتحدة.

منافسة شرسة بدأت تأخذ مجراها بين الدول على استضافة مونديال كأس العالم، بعد تطوُّر كرة القدم وتوسُّع شعبيَّتها؛ حيث أضحى هذا حدثاً يتجاوز البعد الرياضي، ليحمل في طيَّاته أهدافاً اقتصادية وتنمويَّة واجتماعيَّة، أهمها تعزيز قطاع السياحة (الفنادق، والمطاعم، والتسوُّق) وتنشيط حركة قطاع النقل، وجذب رؤوس الأموال والاستثمارات، وخلق مئات الآلاف من فرص العمل... أضف إليها أهدافاً استراتيجية تعزِّز الحضور العالمي للدولة المضيفة، بعد أن أخذت البطولة تضخُّ مليارات الدولارات.

لم تعد هذه اللعبة مجرَّد ملعب وكرة وجمهور، ولم تعُد بطولة عالمية فقط؛ بل تحوَّلت إلى صناعة مليارات الدولارات، وأصبحت حدثاً اقتصادياً وسوقاً عالمية تتنافس عليها الحكومات والأندية والشركات. وقد يضيف هذا المونديال مبلغاً ضخماً يبلغ نحو 41 مليار دولار إلى الناتج المحلي الإجمالي العالمي، حسب بعض المحلِّلين، وتأثيراً اقتصادياً يصل إلى 80 مليار دولار. وتُظهر التقارير المالية للأندية النخبة المحترفة القوة الاقتصادية للقطاع، برقم قياسي تاريخي من الإيرادات، بلغ نحو 12.4 مليار يورو، موسم 2024- 2025.

تتزامن البطولة مع تصاعد التوتُّر بين طهران وتل أبيب، مما دفع بالرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى الدعوة لوقف التصعيد، وإبرام مسودَّة اتفاق أميركي– إيراني لرفع الحصار البحري، وإعادة فتح مضيق هرمز أمام الملاحة البحرية، ومرور السفن التجارية وناقلات النفط، مما سيؤثر إيجاباً على البطولة بشكل مباشر بالنسبة لأسعار الطاقة والأسواق العالمية، واستئناف نحو 20 في المائة من إمدادات النفط والغاز العالمية. كما سيؤدي إلى تراجع أسعار الطاقة من خلال استقرار الشحن، وتأمين إمدادات الطاقة، وتسهيل حركة الجماهير، وتجنُّب صدمات التضخُّم التي أثَّرت على تكاليف سفر المشجعين بين المدن، والتخفيف من أعباء تكاليف تنظيم هذا الحدث العالمي، على الرغم من أن عودة الحركة لطبيعتها سوف تتطلب تنفيذ شروط؛ أهمها إزالة الألغام وإصلاح السفن المتضررة.

يعتمد مونديال 2026 لكرة القدم نموذجاً اقتصادياً مختلفاً عن البطولات السابقة؛ حيث يهدف إلى تسعير ديناميكي يعتمد ارتفاع الأسعار بشكل تدريجي، مع زيادة الطلب لتضخيم الإيرادات، بدلاً من ملء جميع المقاعد بأسعار ثابتة، أي «الربح أولاً». ويرجِّح بعض الخبراء أن تصل الإيرادات إلى أكثر من 7 مليارات دولار، مقارنة بـ929 مليون دولار في كأس العالم 2022 في قطر. فهل أضحت بطولة المونديال للأثرياء فقط؟!

ويشهد العالم في كأس العالم 2026 تحوُّلات غير مسبوقة، تجعله -وفق محلِّلين اقتصاديين- الأكثر جنوناً في تاريخ البطولة؛ ليس فقط بسبب توسُّعه أو تنظيمه عبر ثلاث دول؛ بل بسبب تداخل السياسة العالمية مع الاقتصاد الرياضي، وتحوُّله إلى نمط مختلف بتسعير جديد يؤدي إلى تشكيل صناعة الرياضة عالمياً.

لكن، استضافة مباريات كأس العالم تتطلَّب استثمارات ضخمة من المدن المعنية لتكاليف التشغيل الأساسية، فهي تتحمَّل تجهيز وصيانة الملاعب، وتكاليف الخدمات الأمنية، وتطوير البنية التحتية، وتأمين النقل. لذا لجأت إلى رفع أسعار النقل ومواقف السيارات، والاعتماد على الفوائد غير المباشرة (من السياحة، والمطاعم، والفنادق)، التي لا تغطي جميع التكاليف أحياناً، لتعويض خسائرها.

وهكذا، لن تحصل المدن على حصة كبيرة مباشرة من المونديال، بينما -للمفارقة- يستحوذ «فيفا» على جميع العوائد الضخمة تقريباً، التي تشمل عقود البث التلفزيوني والإعلامي، وعقود الرعاية، ومبيعات التذاكر، والتي من المتوقع أن تبلغ إيراداتها أكثر من 10 مليارات دولار.

يُحذِّر محلِّلون من أن ارتفاع الأسعار قد يؤدي إلى تراجع الحضور الجماهيري في بعض مباريات كرة القدم، الرياضة الأكثر شعبية في العالم. كما يواجه «فيفا» انتقادات متزايدة من جهات تنظيمية في الولايات المتحدة وأوروبا، بشأن سياسات التسعير وإدارة السوق الثانوية.

ويبقى السؤال: هل ستستمرُّ رياضة كرة القدم في كونها «لعبة الجماهير»، أم ستتحوَّل إلى سلعة فاخرة محتكَرة موجَّهة إلى النخبة الثرية؟!



عاجل مونديال 2026: فرنسا إلى دور الـ32 بثنائية جديدة لمبابي في مرمى العراق