أرجو أن يغفر لي القارئ الكريم إلحاحي على مواجهة اللحظة التاريخية الراهنة المكونة من مركب للحروب والصراعات التي ألمت بمنطقتنا العربية والشرق أوسطية في آن واحد؛ وتستلزم بزوغ مجمع من الدول القادرة والناضجة بفعل الدولة الوطنية التي لا تعرف الميليشيات ولا الحرب الأهلية، ولديها مشروع وطني واضح ومحدد الزمن للارتقاء والرفعة. هناك 12 دولة عربية في هذا الشكل والمضمون، ويوجد نصفها على ضفاف الخليج العربي، مضافاً لها مصر والأردن والمغرب وتونس والجزائر؛ ومعها دول شرق أوسطية تتساوى في الصفات المذكورة وهي تركيا وباكستان. الواقع المرئي حتى لحظة كتابة المقال أن إيران ما زالت تضرب دولاً خليجية، وبعض أذرعتها تتصدر الضربات من العراق؛ بينما في الوقت نفسه تقوم إسرائيل بقضم الكثير من الدولة اللبنانية، بينما تجري عملية السلام بين البلدين! مثل هذه الأوضاع تعني الوصول إلى «مفترق الطرق» حيث لا يوجد في الأفق وقف لإطلاق النار ولا مسودة اتفاق ولا مذكرة تفاهم؛ وكل ما هناك انتظار انفجار يأخذ الأخضر واليابس.
الدول العربية القريبة من النار واجهت حرب الخليج الرابعة بحكمة ورويَّة، ونجحت السعودية في تنظيم مثالي لحجاج بيت الله الحرام في المشاعر وحشودهم الكبيرة من البشر المؤمنين. دول الخليج تصدت للعدوان الإيراني ومسيّرات «الحرس الثوري» الإيراني وصواريخه.
تأكيد جميع الدول على حقها في الدفاع عن نفسها كان فيه المصداقية والقدرة معاً. ولكن ذلك ليس كافياً، وإذا كانت الحرائق تأتي من مستصغر الشرر فإن الواقع يشهد الكثير من النار واللهب. المثال التاريخي يأتي من استعارة المثال الأوروبي في أعقاب الثورة الفرنسية والحروب النابليونية وهزيمة نابليون عندما قادت أربع من القوى المحافظة، روسيا والنمسا وبروسيا وبريطانيا، وأضيفت لها فرنسا، عملية إدارة التغيير والحفاظ على توازن القوى في أوروبا لقرابة 100 عام. شكلت القوى الخمس ما أصبح معروفاً باسم «منظومة أوروبا» أو «كونغرس فيينا» لإدارة التغيير ومواجهة إمكانية نشوب ثورات وحروب أخرى.
التجمع العربي المماثل سوف يكون دفاعاً عن عمليات التغيير التي طرأت بعد زلزال ما سمي «الربيع العربي» الذي أسفر عن تيار للفوضى لإطاحة ما هو قائم؛ وآخر للإسلام السياسي تحت راية جماعة «الإخوان المسلمين» وتوابعها الإرهابية؛ والثالث إصلاحي مثل الدولة الوطنية والمشروع الوطني للتقدم والنمو. والحقيقة أن المثال الأوروبي يظل هادياً وهو أنه قدم ثورتين متزامنتين مع نهاية القرن الثامن عشر والقرن التاسع عشر: الثورة الفرنسية، والثورة الصناعية والتكنولوجية. وكانت الثورة الأولى هي التي استهدفت عمداً ومباشرة تحطيم الهياكل والنظم السياسية للدول الأوروبية بأفكارها عن «الحرية» و«الإخاء» و«المساواة»؛ ولكن الثورة الثانية كانت هي التي قادت عملية تغيير أوروبا ومن بعدها العالم اقتصادياً واجتماعياً ثم سياسياً. الثورتان كلتاهما كانتا وراء تكوين العالم المعاصر كما نعرفه؛ وبات منتظراً من دول الإصلاح والتنمية والمشاريع الوطنية أن تدافع عن مصالحها في التنمية والرفعة والتقدم التكنولوجي.
التاريخ في الواقع لا يعيد نفسه، وليس كل الوقائع المتشابهة متماثلة ومتطابقة بالضرورة، ولكن دروسها تظل دائماً فرض عين وليس فرض كفاية. الجيل الحالي من الدول العربية الإصلاحية أمامه مجموعة من التحديات أولها المحافظة على ما حققته وتحقيق ما انتوت تحقيقه من مشاريع كبرى للتغيير الاقتصادي والاجتماعي. وثانيها كيف يكون التعامل مع الولايات المتحدة.
وثالثها كيف نتعامل مع الفلسطينيين طالما نريد حقاً دولة فلسطينية يطلب فيها وحدة السلاح والسلطة. ورابعها كيف سنتعامل ليس فقط مع «القضية الفلسطينية» وإنما لا بد في جوارها التعامل مع ما سمي في العالم الغربي عبر التاريخ «المسألة اليهودية».
الطريق إلى ذلك لا يصح فيه أن يكون مجرد استنكار ما يحدث، واستدعاء القانون الدولي والإنساني وإدانة المعتدي والمتجبر والظالم، ما تحتاجه دول الإصلاح أن تكون المنظومة الممكنة والناجحة من خلال استراتيجية شاملة لمواجهة التحديات السابقة. ظهير ذلك سوف يحتاج الكثير من التفكير والتنسيق وعدم الاستسلام لأخطاء سابقة تقوم على التنافس أو التعالي أو الاستسلام لشبكات التواصل الاجتماعي. مثل ذلك لا يحدث إلا من خلال عمل مؤسسي يقدم تقديراً للواقع ويطرح الخيارات المطروحة وهي ليست قليلة.
