جون ليندسي
خدمة «نيويورك تايمز»
TT

إيران تخسر الحربَ السيبرانية

استمع إلى المقالة

الشهر الماضي، اخترقت مجموعة القرصنة الإيرانية «حنظلة» شبكات شركة «سترايكر»، وهي شركة متخصصة في التكنولوجيا الطبية ومقرها ولاية ميشيغان، مما أسفر عن مسح البيانات وتعطيل آلاف الأجهزة، بما في ذلك بعض الأجهزة التي يستخدمها العاملون في مجال الطوارئ. وتفاخرت فرقة «حنظلة» على موقعها الإلكتروني بأن الهجوم كان «مجرد بداية لعصر جديد من الحرب السيبرانية».

لكن هذه الحقبة الجديدة تشبه إلى حد كبير الحقبة القديمة. على الرغم من الضجة الإعلامية حول هجوم «بيرل هاربور» الرقمي أو هجوم «11 سبتمبر (أيلول)» السيبراني، فإن واقع الأمن السيبراني ممل. فقد نفذت إيران جرائم إلكترونية، ونشرت دعاية رقمية، ونفذت عمليات تعطيل طفيفة، وهي سمات طبيعية للصراعات في هذه الأيام. وبرغم التقارير التي تفيد بأنَّ إيران تنسق بين البرمجيات الخبيثة والتضليل الإعلامي والضربات الصاروخية، فإنها لم تُلحق بعدُ أضراراً جسيمة عبر الحرب السيبرانية وحدها. وكما تمت المبالغة في تقدير الترسانة السيبرانية لروسيا قبل غزو أوكرانيا، فإن الهجمات السيبرانية الإيرانية كانت مخيبة للآمال حتى الآن.

وهذا أمر مُحير. فقد خلص التقييم السنوي للتهديدات لعام 2025 الصادر عن أجهزة الاستخبارات الأميركية إلى أن «الخبرة المتزايدة لإيران واستعدادها لتنفيذ عمليات سيبرانية عدوانية تجعلها تهديداً رئيسياً لأمن الشبكات والبيانات الأميركية». وتباشر عدة فرق قرصنة ترعاها الأجهزة العسكرية والأمنية الإيرانية، بما في ذلك فرقة «حنظلة»، اختراق الأنظمة الحيوية الأميركية منذ سنوات. وإذا كان هناك وقت مناسب لإيران للاستفادة من خبرتها، فكان يجب أن يكون ذلك خلال حرب تهدف لبقاء نظامها نفسه.

من المحتمل أننا لم نسمع عن هجمات إيرانية سيبرانية لأنَّها لم تُكتشف أو لم يُبلغ عنها. ومع ذلك، فإنَّ الأنشطة غير المرصودة من المرجح أن تكون تجسساً - وهو أمر مهم، لكنه أقل تدميراً على المدى القريب - بدلاً من التخريب، الذي يصعب إخفاؤه. ربما كان القراصنة الإيرانيون، بحلول وقت إعلان وقف إطلاق النار يوم الثلاثاء الماضي، يستعدون بهدوء لشن هجوم كبير.

ومع ذلك، تبدو الهجمات السيبرانية الملحوظة، مثل اختراق «سترايكر»، سريعة وخاطفة بدلاً من أن تكون عمليات منسقة بعناية. وقد أفاد تقرير استشاري مشترك للأمن السيبراني الأميركي صدر الثلاثاء أن الهجمات الإيرانية «أدَّت إلى تعطيل العمليات وخسائر مالية» في حالات قليلة، لكن هذه كانت في الأساس عمليات اختراق انتهازية لأجهزة غير محمية. وفي حين أنه يستحيل استبعاد المفاجآت، فإنَّ الاختراق العشوائي الذي نراه يعكس على الأرجح الواقع. حتى لو كان جواسيسها الرقميون يعملون بهدوء، فإنَّ حرب إيران السيبرانية حتى الآن لا توحي بالثقة في أنها بارعة في هذا المجال، سواء في العلن أو خلف الكواليس.

والاحتمال الأكثر ترجيحاً هو أن قدرة إيران على خوض الحرب السيبرانية إما مبالغ فيها أو متدهورة أو كلا الأمرين معاً. فقد استهدفت الولايات المتحدة وإسرائيل الوحدات والعناصر السيبرانية الإيرانية بقوة خلال الحرب. وأعلنت إسرائيل أنها قتلت رئيس جهاز الاستخبارات في «الحرس الثوري» الإيراني وقصفت مقر القيادة الإلكترونية والسيبرانية. ومن شبه المؤكد أنَّ القيادة السيبرانية الأميركية تنفذ عمليات مضادة. فالقراصنة الذين يعانون من الارتباك أو جنون العظمة أو العجز لن يتفوقوا في الحرب السيبرانية.

والحرب السيبرانية ليست رخيصة ولا سهلة. ويستلزم النجاح فيها الوصول إلى البنية التحتية الضعيفة ومنظمات تقنية متطورة. تتمتع الولايات المتحدة وإسرائيل بسنوات من الخبرة في دمج الحرب السيبرانية في العمليات العسكرية. وأفادت التقارير بأنَّ إسرائيل اخترقت كاميرات المراقبة الإيرانية لتتبع واستهداف كبار القادة الإيرانيين. وزعم مسؤولون أنَّ القيادة السيبرانية الأميركية عطلت وأعمت القوات الإيرانية في الأيام الأولى للحرب.

عندما يتعلق الأمر بالحرب السيبرانية، لم تكن إيران تنافس في مستوى الولايات المتحدة وإسرائيل نفسه. وفي حالة اختراق «سترايكر»، وجدت فرقة «حنظلة» ثغرة في شبكة الشركة وتمكنت من تعطيل نظام الرعاية الصحية المدني. كما كُشف عن تعطيل إيران لوحدات التحكم المنطقية القابلة للبرمجة وإصلاحها. وقد اخترقت إيران أيضاً كاميرات الشوارع وشاشات مراقبة السكك الحديدية وبعض الشركات في إسرائيل، وربما تكون قد تسللت إلى مركز أبحاث نووية في بولندا. في حين تسببت هذه الهجمات في بعض الأضرار، لكن لا يبدو أن أياً منها جزء من حملة منسقة بصورة متماسكة.

قد لا يكون للضعف النسبي لإيران في مجال الحرب السيبرانية أهمية كبيرة على المدى الطويل. فقد كانت هجمات إيران الصاروخية والطائرات المسيّرة على دول الخليج العربي وإغلاقها لمضيق هرمز أكثرَ زعزعة للاستقرار بكثير مما أدت إليه حربها السيبرانية، ويبدو أنها منحتها القدرة على الحصول على شروط مواتية نسبياً في وقف إطلاق النار الأخير. وإذا استؤنفت المعارك، فقد تجد الولايات المتحدة وإسرائيل صعوبة أكبر في تكرار نجاحاتهما المبكرة، مع انطلاق إيران لتعزيز دفاعاتها والتكيف مع الوضع الراهن. فالبراعة السيبرانية لا يمكنها صنع معجزات استراتيجية - وبالتأكيد لا يمكنها إنقاذ الحكومات من الأخطاء السياسية الفادحة.