في مسلسل تلفزيوني شهير تابعته في طفولتي، يتباهى البطل بأنه عنيد. والدي، بغرض تأديبنا، كان يردد أن العند يولد الكفر. نظرت إليه فسارع إلى تفسير ما يقوله بطل المسلسل بأنه يقصد «عنيد في الحق». وهو تفسير أرضاني طفلاً، لكنني تعلمت لاحقاً أن عبارة «عنيد في الحق» مجرد لعبة لغوية تقرن الصفة السلبية بكلمة إيجابية فتخفف من مذمتها، وتجعلنا نخلط بينها وبين سلوك فاعل مثل الإصرار والمثابرة.
كل عنيد يعتقد أنه على الحق. ضيق الأفق يجعله يرى الطريق أمامه نفقاً محدوداً، صراطاً مستقيماً، ما سواه ضلال. المرونة تشترط سعة أفق تمكن صاحبها من العثور على بدائل، وتَفَهُّم وجهات نظر الآخرين، والوصول إلى غايته من أكثر من مسلك.
طريق العنيد من ثم «مش سالك». ليس لأن العالم يعانده، ولا لأنه شريف وأن الآخرين مفَرِّطون، بل لأن رؤيته محدودة، ولا يستمع إلى مَن حوله. حين يواجه عائقاً يفضل مناطحتَه على مراوغتِه.
ومناطحة الجدران صفة لا تليق بالإنسان. الإنسان تميز بتشغيل المخ، وهو عضو ليِّن وظيفته إنتاج أفكار وحيل. لكن ما يجعل العنيد يفضل مناطحة الجدران شيئان: أنه يكره الإقرار بالخطأ، وأنه لم يدرب مهارة الحيلة.
فاكتسب إلى ضيق الأفق ضيق الحيلة أيضاً.
يستخدم العند ستاراً للتغطية على عجزه عن ابتكار الحلول، ويضفي على غرقه في شبر من المياه معاني تمجده.
خوف الشخص من التجربة، وتشبثه بسور العند، إشارة إلى ضعف الثقة بالنفس. الثقة بالنفس مؤنة اللين والمرونة والإقدام. تجعلك مطمئناً إلى قدرتك على الوصول إلى هدفك، والتعامل مع المستجدات. وتجعلك واثقاً أنك لست مجرد رأي، إن أخطأت فيه انهارت صورتك. رغبة العنيد في تحصين رأيه تجعله يحيط نفسه بالضعفاء، لكي يضمن دائرة مثالية يكون فيها دائماً صاحب الرأي السديد. فما من عنيد إلا متضخم الذات. يرى نفسه من خلال عدسة مكبرة. المفارقة، أن الآخرين يرونه من خلال وجه العدسة المقابل. فتكون النتيجة كاريكاتيرية. تدخله في دائرة من الإحساس بعدم التقدير، وبالتالي الاحتياج المتكرر إلى مدح النفس وتزكيتها.
والذات المتضخمة تتجاوز ما يخصها إلى ما يخص غيرها، وتحجز لنفسها مساحة تجور على مساحة الآخرين، غرضاً ورؤية. التمحور حول الذات يحجز الشخص عن تفهم زوايا النظر الأخرى، ويجعل ملعقة شاي من سعادته مبرراً لبرميل تعاسة عند الآخرين. وتتضخم هذه الصفة إن اعتنق من الأفكار والآيديولوجيات ما يدعمها، وهو الاحتمال الأكبر، إذ يساعده على تبرير سلوكه بأنه «في الحق»، وعلى مطالبة الآخرين بأن يقدموا تضحيات عظيمة في مقابل غرضه المحدود.
العنيد موهوب في الإلحاح السلبي والقدرة على إحباط من حوله. إنْ أردت هزيمة خصومك فاغرس بينهم عنيداً ومتع عينيك بقدرته العجيبة على التعطيل.
العند في الحياة الشخصية مصيبة، وفي الحياة العامة والسياسة كارثة.
