جينغ تشيان ونيل توماس
خدمة «نيويورك تايمز»
TT

واشنطن تتحرك بلا رؤية تجاه الصين

استمع إلى المقالة

أرجأ الرئيس الأميركي دونالد ترمب زيارته إلى الصين لأسابيع عدة، ملقياً باللوم على الحرب الأميركية - الإسرائيلية مع إيران. بيد أن هذه الرحلة، التي قد تساهم في استقرار العلاقات الأميركية مع بكين وإحياء التبادلات على نطاق أوسع، لا ينبغي السماح بتأجيلها إلى أجل غير مسمى.

تحتاج واشنطن إلى استعادة وتيرة الزيارات المنتظمة لصناع القرار الأميركيين إلى الصين، وهي الوتيرة التي انخفضت بصورة حادة خلال السنوات الأخيرة، بالتزامن مع اشتداد حدة التنافس الاقتصادي والجيوسياسي بين البلدين.

لم تطأ قدم أي رئيس أميركي أرض الصين منذ زيارة ترمب لبكين عام 2017، خلال ولايته الأولى. ويسلط هذا الغياب الضوء على حقيقة بسيطة وإنما مقلقة: يتحدث الأميركيون من دون انقطاع عن ضرورة التنافس مع منافسهم الأكبر وكيفية فعل ذلك. ومع ذلك، فإن الكثير من صناع السياسات الأميركيين لم يزوروا الصين قط.

لقد تُرِك المسؤولون الأميركيون يتخبطون بلا رؤية مع كيان مجرد، ما قد يؤدي إلى أخطاء فادحة في التقدير؛ مثل الرسوم الجمركية التصاعدية التي فرضها ترمب العام الماضي، متوقعاً أنها ستوهن من عزم الصين وتجبرها على الإذعان، لينتهي به الأمر متراجعاً بعد أن أظهرت بكين امتلاكها للأدوات والقدرة على الرد.

إن النظر إلى الصين عن قرب -بقوتها التصنيعية الجبارة، وقدراتها التكنولوجية والابتكارية، وبنيتها التحتية المتطورة، والنظم البيئية الصناعية التي ترعاها الدولة- من شأنها أن تساعد في تجنب مثل هذه الحسابات الخاطئة، ومن المأمول أن تثمر سياسة أميركية أقل تهاوناً، وأقل استعراضاً للقوة، وأكثر تركيزاً على ما هو مطلوب فعلياً لإعادة تنشيط الصناعة الأميركية.

لقد كانت رحلات الكونغرس إلى الصين روتينية في السابق. وفقاً لبيانات جمعها الباحث سكوت كينيدي، شارك 177 مُشرّعاً أميركياً في 59 وفداً من الكونغرس إلى الصين في الفترة من 2010 إلى 2019. غير أن تلك التبادلات توقفت فعلياً منذ عام 2020. وبالمثل، كان الرؤساء الأميركيون منذ رونالد ريغان يزورون الصين مرة واحدة على الأقل خلال فترات ولايتهم، غير أن هذا التقليد انقطع مع جو بايدن الذي لم يزرها قط بصفته رئيساً.

إن لهذا الأمر أهمية أكبر مما قد يظن البعض؛ فزيارة ريتشارد نيكسون في عام 1972 أنهت عقوداً من الجفاء، كما ساهمت وفود الكونغرس اللاحقة في تطبيع العلاقات الأميركية - الصينية عام 1979. وكانت زيارات حقبة الحرب الباردة إلى الاتحاد السوفياتي -من جانب الرؤساء وأعضاء الكونغرس- حاسمة في مساعدة الولايات المتحدة على جمع المعلومات، وإدارة التوترات، والحفاظ على الحوار بشأن قضايا مصيرية مثل الحد من التسلح.

لقد انقطعت الرحلات الرسمية إلى الصين جراء الجائحة ولم تتعافَ من بعدها، نتيجة عوامل عدة؛ منها تشديد الحكومة رقابتها على الجالية الصينية، وتجربة بكين لما سُمي «دبلوماسية الذئب المحارب» الأكثر عدائية قبل بضع سنوات، وتصاعد التوتر بين البلدين. كما أدى فرض الصين حظراً دورياً لسفر المواطنين الأميركيين وفرض عقوبات على المسؤولين الحكوميين من كلا الجانبين إلى مزيد من الفتور في الأجواء. لقد أصبحت الصين موضوعاً «ساماً» في واشنطن؛ إذ باتت زيارتها تنطوي على مخاطرة استحضار ردود فعل سياسية عكسية. كما أدى هذا المناخ السياسي أيضاً إلى تقليص حاد في أعداد الأميركيين الذاهبين إلى الصين لأغراض السياحة والدراسة والتبادل الأكاديمي.

إن هذا الوضع لا يخدم المصالح الأميركية في شيء؛ فرؤية الصين على حقيقتها ستساعد الولايات المتحدة على تحديد مجالات التنافس معها، ومساحات التعاون، وكيفية تعزيز أسسها الخاصة.

ولاستعادة القدرة التنافسية الأميركية، أقر الكونغرس عام 2022 قانون «الرقائق والعلوم» لتعزيز صناعة أشباه الموصلات، وقانون «خفض التضخم» لدعم الطاقة المتجددة والمركبات الكهربائية وسلاسل توريد البطاريات. بيد أن الطريق لا يزال طويلاً لبناء الكفاءات الهندسية الأميركية اللازمة، وتطوير البنية التحتية للطاقة، والقاعدة الصناعية ذات الصلة، حتى تتمكن من مواجهة الصين من حيث الحجم والديناميكية على المدى البعيد.

ويتجلى ذلك بوضوح حين تعاين حداثة المصانع الصينية، وخبرات علمائها وتقنييها، والنظم البيئية الإنتاجية المتكاملة التي تقف وراء قطاعات البطاريات والمركبات الكهربائية والتكنولوجيا الحيوية وغيرها من صناعات المستقبل التي تغزو بها الصين العالم.

نحن نسافر إلى الصين بانتظام، وغالباً ما نُحيط صناع السياسات في واشنطن علماً بشأن ما رأيناه؛ ونجدهم ينصتون باهتمام أكبر حين نَصِفُ محادثاتنا الأخيرة مع القادة والخبراء هناك حول كيفية عمل نظامهم، والنقاشات الداخلية، وتضارب المصالح التي تختبئ خلف عناوين وسائل الإعلام الحكومية. إن المسؤولين الأميركيين أولى بأن يخوضوا هذه التجارب بأنفسهم.

بعد زيارته إلى شنغهاي في سبتمبر (أيلول) الماضي، قال النائب رو خانا، الديمقراطي عن ولاية كاليفورنيا، إنه لم يكن يدرك مدى «تطور» المدينة، وخلص إلى القول: «إننا بحاجة إلى رحلات أكثر بكثير إلى الصين». وقد عاد كثيرون غيره من الصين مؤخراً بانطباعات مماثلة.

إن التواصل المباشر يمكن أن يوضح لبكين أن بعض المخاوف الأميركية تتقاسمها الأحزاب كافة؛ فعندما سافر السيناتور تشاك شومر، الديمقراطي عن ولاية نيويورك، إلى هناك ضمن وفد نادر عام 2023، ضغطت مجموعته المكونة من الحزبين على الرئيس شي جينبينغ للسيطرة على المواد الكيميائية الخام الداخلة في صناعة «الفنتانيل»، ما عزز جهداً دبلوماسياً أوسع أدى إلى التزام بكين ببذل المزيد على هذا الصعيد. وكان النائب السابق «مايك غالاغر» قد وصف الدبلوماسية مع الصين ذات مرة بأنها «مثل تواصل الموتى الأحياء»، أي مجرد حديث فارغ بلا نتائج ملموسة. بيد أن الحوار، في حدوده الدنيا، يمكن أن يقدم أدلة مفيدة حول طريقة التفكير الصينية، ويبني علاقات شخصية قد تثبت جدواها في أوقات الأزمات.

إحدى الخطوات التي ينبغي لترمب اتخاذها هي توجيه وزير الخارجية ماركو روبيو لاستعادة برامج السفر إلى الصين التي كانت مرخصة سابقاً بموجب قانون «التبادل التعليمي والثقافي المتبادل»، الذي يوفر إطاراً قانونياً للموظفين الفيدراليين للمشاركة في التبادلات الممولة من حكومات أجنبية.

وحين كان مايك بومبيو وزيراً للخارجية، اعتبر تلك البرامج «أدوات دعائية» لبكين وأغلقها في عام 2020. وبالطبع، يجب أن نظل دائماً يقظين تجاه الدوافع الصينية، غير أن الزعم بأن الضيافة الروتينية من قبل حكومة أجنبية ستحول صناع السياسة الأميركيين إلى «أبواق تبريرية» هو إهانة لهم.

لا يكمن الحل في إنهاء هذه الزيارات، وإنما في جعلها أكثر شفافية، والإقلال من مخاطر التجسس أو النفوذ غير المشروع. ويمكن تحقيق ذلك عبر اشتراط الإفصاح الفوري عن تمويل الرحلات وأغراضها ومساراتها، وحظر مشاركة جماعات الضغط (اللوبي)، وجعل الإحاطات الأمنية قبل المغادرة جزءاً لا يتجزأ من الإجراءات.

إن استعادة وتيرة السفر المنتظم إلى الصين لن تكون بسيطة أو خالية من المخاطر، بيد أن الخطر الاستراتيجي الأكبر يكمن في بناء السياسات الأميركية على افتراضات عفّى عليها الزمن، وانطباعات غير ذات صلة، وفهم ناقص لما تبنيه الصين اليوم.