مشاري الذايدي
صحافي وكاتب سعودي. عمل في عدة صحف ومجلات سعودية. اشتغل في جريدة المدينة السعودية في عدة أقسام حتى صار عضو هيئة التطوير فيها. ثم انتقل لـ«الشرق الأوسط» من 2003، وتدرَّج بعدة مواقع منها: المشرف على قسم الرأي حتى صار كبير المحررين في السعودية والخليج، وكاتباً منتظماً بها. اختير ضمن أعضاء الحوار الوطني السعودي في مكة المكرمة. وشارك بأوراق عمل في العديد من الندوات العربية. أعدَّ وقدَّم برنامجي «مرايا» وبرنامج «الندوة» في شبكة قنوات «العربية».
TT

موضعٌ وموضوعٌ: السويس أو القلزم... لغة الماء

استمع إلى المقالة

معابر التجارة، ومضايق الطرق الدولية، براً أو بحراً، تمتلك قيمتها القديمة المتجددة ما دامت نبضات شرايين التجارة لا تكف عن الدفق في هذه العروق الخالدة.

من هذه المواضع: السويس، ونقول السويس ونعني تلك المدينة/ الميناء، في أعالي البحر الأحمر، قبل أن تشق يد البشر لهذه المياه السويسية التي تمتح من البحر العظيم، البحر الأحمر، تشق لها درباً مصيرياً إلى البحر الأبيض، أو بلغة القدماء، من «بحر القلزم» إلى «بحر الروم».

السويس موقع تجاري قديم، كانت المدينة تسمى قبل الإسلام باسم «كاليزما»، ثم صارت «القلزم» ردحاً طويلاً في العهود الإسلامية مدينة تجارية بحرية مهمة، وكانت «السويس» ضاحية لها، ثم غاب الاسم الأصلي وغلب الفرعي... تطورت لاحقاً لمحطة بحرية مهمة، خصوصاً في العهد العثماني، قبل أن يعاد افتتاح قناة السويس بعهد الخديو إسماعيل، في حدث تاريخي مهيب سنة 1869، إحياء أهميتها العالمية.

قدر هذه المواضع الحساسة أن تعاني من نعمة موقعها، وتستجلب أطماع الغزاة، كما جرى مع الاحتلال البريطاني لمصر 1882 الذي كان مرتبطاً استراتيجياً بحماية قناة السويس.

في العصور الحديثة بدأت دراسات شق القناة مع الحملة الفرنسية 1799، ثم العودة بقوة في منتصف القرن 19 مع ديليسبس ولجنته الهندسية، وتقرير 1855 الذي أكد تساوي منسوب البحرين، وإمكانية الحفر.

لكنّ هناك أفكاراً أقدم بكثير لشق قنوات بحرية في هذه المواضع، سواء بين النيل والبحر الأحمر، في العهود الفرعونيّة، والبطلمية، ومرحلة الاحتلال الفارسي، أو شق قناة السويس نفسها بين البحرين الأحمر والأبيض.

ذكر المسعودي -ونقل عنه الذهبي- أن الخليفة العباسي الذهبي هارون الرشيد رام أن يوصل ما بين بحر الروم وبحر القلزم مما يلي «الفرما»، وهي بليدة في مصر، فقال له يحيى البرمكي: إن فعلت، فسيختطف الروم الناس من الحرم، وتدخل مراكبهم الحجاز.

للمدن بصمتها الخاصة على بشرها واجتماعهم، والسويس من هذه المدن، سكانها خليط من المصريين الذين جلبهم لها اقتصادها، وقناتها منذ مرحلة الحفر الرهيبة، وهذا صنع لديهم فكرة البطولة الجماعية كما لاحظ الكاتب أنور فتح الباب من خلال التأمل في رمزيات «أولياء السويس» المعنونة بمدينة الغريب، نسبة لوليها الأشهر.

يمثل فتح الباب بـ«سيدي عبد الله الأربعين» الذي يُفسَّر اسمه بكونه اسماً لأربعين عاملاً استشهدوا في حفر القناة، كما أن أشهر أوليائها أبو يوسف بن محمد بن يعقوب المعروف باسم «سيدي عبد الله الغريب»، تروي عنه «الحكايات» المحلية أنه قاد الأهالي بمعركة «برزخ السويس» في العصر الفاطمي ضد «القرامطة».

هذا حديث التاريخ القديم، وشبه القديم، أما اليوم وبلغة الاقتصاد، فإنه يمر عبر قناة السويس نحو 12 في المائة من حجم التجارة العالمية، وحسب بيانات البنك المركزي المصري، كانت إيرادات القناة قد بلغت 8.76 مليار دولار في العام المالي 2022-2023، قبل أن تبدأ بالانخفاض.

السويس أو القلزم، أو كاليزما، أو غير ذلك، قبل قناة السويس وعصر الخديو إسماعيل، والمهندس ورجل الأعمال والاستعمار الفرنسي ديليسبس، وقبل عصر ناصر وحروب السويس... هي هي في فرادة موضعها، وعقدة أو نعمة موقعها... و: عندك بحرية يا ريس...