يَعِدُ المسؤولون التنفيذيون في وادي السيليكون بأن الذكاء الاصطناعي سيغير حياة الجميع بشكل جذري نحو الأفضل، بدءاً من الآن. يوصف الذكاء الاصطناعي بأنه الكهرباء الجديدة؛ إنه أعظم حتى من النار. لا تهتم بتوفير المال للتقاعد، لأن الجميع سيصبحون أغنياء للغاية.
لقد سمع أجدادكم الشيء نفسه تقريباً. لطالما روّج مبتكرو التكنولوجيا الجديدة لها على أنها ستحدث تحولاً جذرياً في الوجود البشري؛ لقد رُوّج للراديو على أنه سيجلب «السلام الدائم على الأرض»، وكان من المفترض أن يثير التلفاز كثيراً من التعاطف مع الثقافات المختلفة، لدرجة أنه سينهي الحروب، وكان من المفترض أن يقوم التلفاز الكبلي بتثقيف الجماهير، ويؤدي إلى انتشار التنوير على أوسع نطاق.
لكن هذه المرة، لم يقتنع الجماهير. في استطلاع أجرته مؤسسة «يوغوف» العام الماضي، قال أكثر من ثلث المشاركين إنهم قلقون من أن الذكاء الاصطناعي سينهي حياة البشر على الأرض. حتى أولئك الذين لديهم موقف أكثر تفاؤلاً قالوا بأغلبية ساحقة في استطلاع آخر، إنهم لن يدفعوا مبلغاً إضافياً لتثبيت الذكاء الاصطناعي على أجهزتهم. وفي أحدث استطلاع كبير أجراه المكتب الوطني للبحوث الاقتصادية، أفاد 80 في المائة من الشركات بأن الذكاء الاصطناعي ليس له تأثير على إنتاجيتها أو جهود التوظيف لديها.
يشعر جينسن هوانغ، الرئيس التنفيذي لشركة «إنفيديا» المصنعة للرقائق، بالقلق، مضيفاً أن «معركة الروايات» تربحها الأصوات الانتقادية. وقال في مقابلة بودكاست الشهر الماضي: «بصراحة، هذا مؤلم للغاية». وقد تسبب «أشخاص محترمون للغاية رسموا صورة قاتمة، وصورة لنهاية العالم، وصورة خيال علمي»، في «كثير من الضرر».
لا تفتقر شركة «إنفيديا»، التي تُصنّع الرقائق التي تُشغّل مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي، إلى المستثمرين، وهي الآن الشركة الأعلى قيمة في العالم، حيث تبلغ قيمتها السوقية 4.5 تريليون دولار. كما شهدت شركات «غوغل» و«مايكروسوفت» و«أمازون» و«ميتا» ارتفاعاً كبيراً في قيمتها، وأصبح بعض الشركات الناشئة في مجال الذكاء الاصطناعي، ذات قيمة هائلة بين عشية وضحاها بطريقة لم يسبق لها مثيل، بدءاً من شركة «أوبن إيه آي».
من الواضح أن الذكاء الاصطناعي ليس تقنية يجري تشجيعها عالمياً باعتبارها أمراً لا مفر منه. غالباً ما تذكر الشركات أنه حتى الآن، لا يبدو أن له تأثيراً كبيراً؛ لكن المخاوف منتشرة في كل مكان. انخفض مؤشر «ستاندرد آند بورز» للبرمجيات في أميركا الشمالية بنسبة 15 في المائة في يناير (كانون الثاني)، وهو أكبر انخفاض شهري له منذ 17 عاماً، جراء المخاوف من أن الذكاء الاصطناعي سيحل محل البرمجيات.
وعلى الرغم من أن أكثر من نصف الأميركيين جربوا نماذج لغوية كبيرة (وكل من قام بأي شيء عبر الإنترنت استخدم الذكاء الاصطناعي من دون قصد)، تُظهر الدراسات أن الناس قلقون أكثر بكثير مما هم متحمسون. (رفعت صحيفة «نيويورك تايمز» دعوى قضائية ضد شركتي «أوبن إيه آي» و«مايكروسوفت»، مدعية انتهاك حقوق النشر لمحتوى إخباري متعلق بأنظمة الذكاء الاصطناعي، ونفت الشركتان ادعاءات الدعوى). وربما كانت اللامبالاة والعداء تجاه الذكاء الاصطناعي أمراً لا مفر منه. يصف دعاة الذكاء الاصطناعي مستقبلاً مقلقاً، حيث سيحل البشر الذين يستخدمون هذه التكنولوجيا محل أولئك الذين لا يستخدمونها. ربما لهذا السبب يعدّ تنظيم الذكاء الاصطناعي إحدى القضايا القليلة التي يبدو أن أميركا المنقسمة متحدة بشأنها: وفقاً لاستطلاع أجرته مؤسسة «غالوب» في الربيع الماضي، فإن 80 في المائة من الأميركيين يريدون سن قواعد للذكاء الاصطناعي، حتى لو كان ذلك يعني أن التكنولوجيا ستتطور ببطء أكبر.
ليس العمال ذوو المهارات المنخفضة وحدهم من يشعرون بالقلق. كل عام، تُجري شركة «إيدلمان»، وهي شركة اتصالات عالمية، استطلاعاً حول الثقة في المجتمع. في تقريرها الأخير، الذي صدر في يناير الماضي، قال ثلثا المشاركين من ذوي الدخل المنخفض في الولايات المتحدة، إن «الأشخاص مثلي سيتخلفون عن الركب بدلاً من أن يحققوا أي مزايا حقيقية من الذكاء الاصطناعي التوليدي». ولعل الأكثر إثارة للدهشة أن ما يقرب من نصف العمال ذوي الدخل المرتفع شعروا بالشيء نفسه.
كانت الطفرات الاقتصادية التي حددت معالم العصر قليلة ومتباعدة الحدوث: جنون جنوب المحيط في عام 1720، وطفرة السكك الحديدية البريطانية في أربعينات القرن التاسع عشر، والعشرينات الصاخبة، وطوكيو في ثمانينات القرن الماضي.
اتبع هذا الازدهار نمطاً مألوفاً؛ إذ يؤكد بعض المستثمرين أن التطورات الجديدة، التي عادة ما تتعلق بالتكنولوجيا، قد غيرت الأمور. ويجني المتحمسون الأوائل الأموال الطائلة، مما يجذب مزيداً من المستثمرين، وتسكت الأصوات المنتقدة، ويستولي المضاربون على السوق، ويتحول الازدهار إلى فقاعة ثم ينفجر، ويشعر الجميع بالندم ويقسمون على أن يكونوا أكثر عقلانية في المستقبل. وفي نهاية المطاف، تظهر تكنولوجيا جديدة، وتبدو الحياة المشرقة السعيدة في متناول الأيدي، وتدور الدورة نفسها من جديد.
كتب فينسنت موسكو، مؤرخ التكنولوجيا، في كتابه «السمو الرقمي: الأسطورة والسلطة والفضاء الإلكتروني»: «جدّدت أجيال متعاقبة الإيمان بأن التكنولوجيا الأحدث ستحقق وعداً جذرياً وثورياً، بغض النظر عما قيل عن التكنولوجيات السابقة». وتتوالى الفقاعات بسرعة كبيرة هذه الأيام، حتى صارت الطفرات تتوالى تباعاً. وقبل بضعة أشهر، بدأ المحللون والمستثمرون - القلقون من سوق الأسهم التي يبدو أنه لا يوجد أساس لاستمرار صعودها - يتساءلون عن كيفية انتهاء طفرة الذكاء الاصطناعي؛ فقد انتهت طفرة العشرينات الصاخبة بالكساد الكبير في نهاية الأمر.
لم يُفضِ النقاش إلى توافق كبير. ويعتقد أندرو أودليزكو، الباحث في شركة «هوس» الاستثمار، أن النقاش توقف لأنه اعتمد بشكل مفرط على مفهوم قديم للطفرات والفقاعات. وقال: «انظروا إلى العملات المشفرة، إنها موجودة منذ 15 عاماً، ولم يعد هناك من يدعي أن العملات المشفرة لها أي قيمة بخلاف المضاربة. ولكن على الرغم من انخفاض سعرها مؤخراً، فقد ارتفع على المدى الطويل». ويعكس السعر المرتفع أمراً واحداً فقط: ثقة المستثمرين فيها، التي - على الأقل حتى الآن - تغلبت على الشكوك.
وقال أودليزكو، الرئيس السابق لمركز التكنولوجيا الرقمية بجامعة مينيسوتا: «مع ازدياد تعقيد مجتمعنا وثرائه، فإنه يفقد الاتصال بالواقع، وأصبحت سيكولوجية الجماهير (أو علم النفس الجماعي) الآن، أكثر أهمية بكثير من التكنولوجيا أو الاقتصاد».
ليس على الذكاء الاصطناعي أن يغير البشرية. كل ما على شركات التكنولوجيا أن تجعلك تعتقد أنه ناجح. وعلى الرغم من كل الوعود المألوفة بتغيير العالم، هناك بعض الأمور المختلفة في طفرة الذكاء الاصطناعي - التي تمنعه من حيازة قبول الجماهير.
* خدمة «نيويورك تايمز»
