البطاطا جزء مهم من نظامك الغذائي الصحي

5 حقائق حول أنواعها «البيضاء والملونة»

البطاطا جزء مهم من نظامك الغذائي الصحي
TT

البطاطا جزء مهم من نظامك الغذائي الصحي

البطاطا جزء مهم من نظامك الغذائي الصحي

اكتسبت البطاطا سمعة سيئة بوصفها منتجاً غذائياً غير صحي لأنها غنية بالنشويات وهي السبب الأهم في السمنة؛ ولذا كثر منْ ينصح بتجنب تناولها للحفاظ على الصحة واللياقة... ولكن يبدو أن هذه السمعة الصحية السيئة للبطاطا غير صحيحة وغير عادلة.

غذاء أساسي

إن البطاطا اليوم في واقع الحال على موائد الطعام، تشكل غذاءً أساسياً للناس في مختلف الأعمار بكل البيوت، وفي غالبية مناطق العالم؛ لأنها تُعدّ رخيصة نسبياً ولذيذة في الطعم وسهلة الهضم. ولهذا؛ تستحق من الأوساط الطبية توضيحاً حول كيفية جعلها جزءاً من غذائنا اليومي الصحي.

وبالعودة للبدايات، فإن البطاطا ليست عبوة مكدسة بالنشويات، كما أن أطباق البطاطا ليست فقط «فرانش فرايز» أو «تشيبس»، بل هي من الخضراوات الدرنية، التي تنمو تحت التربة لتستمد منها المعادن بشكل مباشر. والتي تتشكل تحت التربة، بعيداً عن العوامل الجوية، لتكبر في الحجم وليتم فيها بهدوء تخزين المعادن، وتكوين الفيتامينات ومضادات الأكسدة والألياف والبروتينات والنشويات المعقدة. كما أن إشكالية البطاطا الصحية ليست موجودة فيها بحد ذاتها، بل في طرق طهوها وفي كيفية تناولها.

ولذا؛ إليك الحقائق الصحية والغذائية التالية عن أنواع البطاطا:

1- قيمة غذائية عالية. تحتوي حبة بطاطا البيضاء متوسطة الحجم والمشوية (173 غراماً) مع القشرة، على ما يلي:

- سعرات حرارية: 161 كالوري

- دهون: 0.2 غرام

- بروتين: 4.3 غرام

- كربوهيدرات: 36.6 غرام

- ألياف: 3.8 غرام

ومن الكمية المُوصى صحياً بتناولها يومياً، تحتوي ثمرة البطاطا المشوية تلك على احتياج الجسم من فيتامين سي بنسبة 28 في المائة ومن فيتامين «بي-6» على نسبة 27 في المائة، ومن البوتاسيوم على نسبة 26 في المائة، ومن المنغنيز على نسبة 19 في المائة، ومن المغنسيوم على نسبة 12 في المائة، ومن الفسفور على نسبة 12 في المائة، ومن فيتامين النياسين على نسبة 12 في المائة، ومن فيتامين حمض الفوليك على نسبة 12 في المائة. كما أن البطاطا بالأصل أيضاً خالية من الغلوتين Gluten. وإضافة إلى المعادن، والفيتامينات، والنشويات والبروتينات، تحتوي البطاطا على كميات عالية من مضادات الأكسدة، مثل مركبات الفلافونويدات، والكاروتينات والأحماض الفينولية.

2- توفير النشا المُقاوم. بالنسبة لكربوهيدرات النشا، فإن البطاطا تحتوي على نوع خاص من النشا يُعرف بـ«النشا المقاوم» Resistant Starch، الذي قد يُحسّن من فاعلية التحكم في مستوى السكر في الدم. وللتوضيح، فإن «النشا المقاوم» لا يتم هضمه وامتصاصه بالكامل في الأمعاء الدقيقة، بل يصل إلى الأمعاء الغليظة ليُصبح مصدراً للعناصر الغذائية التي تحتاج إليها البكتيريا النافعة الموجودة لدينا في القولون، والتي نحاول دائماً حفظها وتكثير عددها وتحسين قدراتها الصحية؛ من أجل تحسين صحة أعضاء جسمنا.

وربطت الأبحاث تناول «النشا المقاوم» بالكثير من الفوائد الصحية. بما في ذلك تقليل مقاومة الأنسولين؛ ما يُحسّن بدوره التحكم في مستوى السكر في الدم. كما أن النشا المقاوم الموجود في البطاطا يتحول معظمه في القولون إلى حمض البيوتيرات Butyrate، وهو حمض دهني قصير السلسلة Short-Chain Fatty Acid، ويُعدّ مصدراً غذائياً مفضلاً لبكتيريا الأمعاء. وأظهرت الدراسات أن البيوتيرات يُمكن أن يُقلل من التهاب القولون، ويُعزز دفاعاته، ويُقلل من خطر الإصابة بسرطان القولون والمستقيم. علاوة على ذلك، قد يُساعد البيوتيرات المرضى الذين يُعانون اضطرابات الأمعاء الالتهابية، مثل داء كرون، والتهاب القولون التقرحي.

أنواع البطاطا وطرق طهوها

3- مكونات مختلفة ملائمة للطهو. ولأغراض الطهو، غالباً ما يتم التمييز بين أصناف البطاطا بناءً على نسبة النشا ونوعية مركبات النشا، حيث تحتوي بطاطا الخبز أو القلي على نسبة نشا أعلى (20 - 22 في المائة) من بطاطا السلق (16-18 في المائة). وكذلك حيث تحتوي البطاطا على نوعين رئيسيين من مركبات النشا، هما: الأميلوز Amylose والأميلوبكتين Amylopectin.

ولذا؛ تعتمد ملاءمة البطاطا للقلي أو الهرس بشكل أساسي على تركيبها النشوي. وتحديداً عند سلق أنواع البطاطا التي تحتوي على نسبة أعلى من الأميلوز، تتكون سلاسل خطية طويلة من حبيبات النشا، لتُكسب البطاطا قواماً هشاً وجافاً؛ ما يجعلها مناسبة للأطباق التي تُهرس فيها البطاطا.

بينما تساعد الأصناف التي تحتوي على نسبة أعلى من الأميلوبكتين، على تكوين جزيئات معقد ومتفرع شكلاً من حبيبات النشا؛ ما يساعد على احتفاظ البطاطا بقوام متماسك وشمعي بعد الطهو.

ولذا؛ فإن البطاطا المناسبة للقلي في صنع «رقائق البطاطا المقرمشة» وأصابع «فرنش فرايز»، تحتوي على نسبة أعلى من النشا بالعموم ومن الأميلوز بشكل خاص، ونسبة أقل من الأميلوبكتين، مقارنةً بالأنواع الأخرى. وهذا التوازن يمنع البطاطا المقلية من أن تصبح طرية جداً أو مهروسة، ما يضمن قشرة خارجية مقرمشة ولباً خفيفاً.

والسبب هو أن البطاطا عالية الأميلوز تمتص كمية أقل من الزيت، وتُطلق النشا الذي يُشكل قشرة مقرمشة، بينما لا تُصبح البطاطا الشمعية (عالية الأميلوبكتين) مقرمشة جيداً. ولذا؛ وكذلك، لا يجدر خزن البطاطا المخصصة للقلي/الهرس في الثلاجة؛ لأن درجات الحرارة المنخفضة تحول النشا سكراً؛ ما يؤثر على القوام واللون.

4- عملية قلي البطاطا. تتم عملية قلي البطاطا بطريقة صحيحة، عادة على مرحلتين، مرحلة الحرارة المنخفضة تليها مرحلة الحرارة المرتفعة. وبذلك تستطيع حبيبات النشا الاحتفاظ بالماء والتمدد بفضل عملية التجلتن Gelatinisation، حيث تعمل الحرارة على كسر الروابط الجليكوسيدية بين خيوط الأميلوبكتين والأميلوز؛ ما يسمح بتكوين مصفوفة هلامية جديدة عبر روابط هيدروجينية تُساعد في الاحتفاظ بالماء. وهذه الرطوبة المحتبسة داخل المصفوفة الهلامية هي المسؤولة عن قوام البطاطا الهش من الداخل.ثم مع استمرار عملية القلي، تتحرك جزيئات النشا المتجلتن نحو سطح أصابع البطاطا، مُشكّلةً طبقة سميكة من النشا المتجلتن، وتُصبح هذه الطبقة من النشا المُجلتن مسبقاً هي الطبقة الخارجية المقرمشة بعد قلي شرائح البطاطس للمرة الثانية.

وخلال عملية القلي الثانية (عند نحو 180 درجة مئوية)، يتبخر الماء المتبقي على سطح الشرائح، وتُطهى جزيئات النشا المتجلتن التي تجمعت على سطح البطاطا مرة أخرى، مُشكّلةً الطبقة الخارجية المقرمشة. وتكتسب البطاطا اللون الذهبي البني عندما تُشارك الأحماض الأمينية والغلوكوز الموجودة على السطح في تفاعل ميلارد Maillard Reaction (تفاعل بروتين مع كربوهيدرات بفعل الحرارة).

5- تأثيرات اختلاف طرق الطهو. تختلف طرق طهو البطاطا، وطرق إعداد الأطباق المحتوية على البطاطا، وطرق تناولها. كما تختلف أنواع البطاطا في محتواها من العناصر الغذائية وفي تفاعلات الطهو التي تمر بها. وبالتالي، تُغيّر طرق الطهو بشكلٍ ملحوظ القيمة الغذائية للبطاطا، وتوفر الاستفادة الصحية والغذائية لدى المرء من تناول البطاطا.

والأساس أن طهو البطاطا بقشرها وتبريدها بعد الطهو يُحسّن من الاحتفاظ بالعناصر الغذائية ويزيد من النشا المقاوم. وطرق الطهو بالبخار والطهو في الميكروويف الأفضل في الحفاظ على الفيتامينات (خاصة فيتامين «سي») ومضادات الأكسدة من المركبات الفينولية؛ لأنهما تستخدمان كميةً قليلةً من الماء ودرجات حرارة طهو منخفضة.

والخبز في الفرن أو الشواء يساعد على الاحتفاظ بشكل أفضل على العناصر الغذائية (وخاصة البوتاسيوم ومعظم المعادن)، ولكن يُسبّب بعض التدهور الحراري لفيتامين «سي».ويُؤدي السلق إلى فقدانٍ كبيرٍ للعناصر الغذائية في البطاطا (الفيتامينات الذائبة في الماء كفيتامين (سي)، وكذلك وبعض المعادن)، خاصةً إذا كانت البطاطس مقشّرة.أما القلي العميق في الزيوت النباتية (غير زيت الزيتون أو السمسم الطبيعي)، فيزيد بشكلٍ ملحوظٍ من السعرات الحرارية والدهون، ويُقلّل من كثافة العناصر الغذائية.

أي أن القلي العميق يُنتج أطعمةً غنيةً بالسعرات الحرارية، وذات قيمة غذائية أقل، وقد يُكوّن مادة الأكريلاميد، وهي مادة مُسرطنة محتملة. ويُعدّ القلي الهوائي بديلاً صحياً للقلي التقليدي.

وتجدر ملاحظة 3 أمور:

- تبريد البطاطا المطبوخة، أي خزّن البطاطا المطبوخة وتناولها باردة هو الأفضل. لأن ذلك يزيد من كمية النشا المقاوم؛ ما يُحسّن صحة الأمعاء ويُخفّض مؤشر نسبة السكر في الدم.

- إبقاء قشر البطاطا يحفظ كميات عالية من البوتاسيوم والألياف والفيتامينات ومضادات الأكسدة، حيث تفقد البطاطا أكثر من 50 في المائة من هذه العناصر عند تقشيرها.

- تناول البطاطا الملونة (البنفسجي، الأحمر، الأصفر) مفيد؛ لأنها تحتوي على الكثير من مضادات الأكسدة الأساسية، مثل الأحماض الفينولية، والأنثوسيانين، والكاروتينات.

أنواع البطاطا الملونة... صحة أفضل للقلب وللأوعية الدموية

استُؤنست البطاطا لأول مرة في جنوب بيرو وشمال غربي بوليفيا منذ نحو 7000 إلى 10000 عام. وأدخل الإسبان البطاطا إلى أوروبا في النصف الثاني من القرن السادس عشر، وذلك من مناطق الإنكا في أميركا الجنوبية. ونُقلت هذه السلعة الغذائية الأساسية لاحقاً بواسطة البحارة الأوروبيين إلى الأراضي والمواني في جميع أنحاء العالم. وأصبحت البطاطا غذاءً أساسياً ومحصولاً حقلياً مهماً.ووفق ما يذكره المركز الدولي للبطاطا في بيرو، ثمة نحو 5 آلاف نوع من البطاطا، 3 آلاف نوع منها في جبال الأنديز وحدها. ويتوفر اليوم نحو 80 صنفاً تجارياً في متاجر مناطق العالم المختلفة.وتُشير الأبحاث إلى أن بطاطا الأنديز الزاهية الألوان، التي تتميز عادةً بألوانها البنفسجية والزرقاء والحمراء، غنية بأصباغ الأنثوسيانين المُؤَسْتَل. والبطاطا الملونة، مثل البطاطا البنفسجية، تحتوي على مضادات أكسدة أكثر بثلاث إلى أربع مرات من البطاطا البيضاء. وهذا يجعلها أكثر فاعلية في معادلة الجذور الحرة الضارة. وتُشير الأدلة العلمية إلى دورها في تحسين صلابة الشرايين، وضغط الدم، والالتهابات، وتنظيم مستوى السكر في الدم، وهي فوائد لا ترتبط بتناول البطاطا البيضاء.وللتوضيح، تمتلك النباتات نظام دفاع مضاداً للأكسدة متطوراً، يجمع بين مضادات الأكسدة الإنزيمية (مثل إنزيمات SOD والكاتالاز والبيروكسيداز) ومضادات الأكسدة غير الإنزيمية (مثل حمض الأسكوربيك (فيتامين «سي») وصبغات الفلافونويدات وصبغات الكاروتينات الملونتين). وتهدف النبات من هذا الدفاع:- تحييد أنواع الجذور الحرة (أنواع المركبات التفاعلية مع الأوكسجين Reactive Oxygen Species). وهذه المركبات الضارة تتولد أثناء عمليات الأيض الطبيعية وفي حالات الإجهاد (الجفاف والملوحة ودرجات الحرارة القصوى)،- الحفاظ على التوازن الخلوي (التوازن التأكسدي والاختزالي) والحماية من التلف التأكسدي، وهو أمر بالغ الأهمية للبقاء والنمو.ويُمكّن هذا النظام المعقد النباتات من النمو والازدهار في ظل ظروف الإجهاد (الجفاف، والملوحة، والحرارة، والظروف الضوئية القاسية) عن طريق منع تلف الخلايا، وتنظيم النمو، وتنسيق الاستجابات للمؤثرات البيئية؛ ما يجعلها أكثر مقاومة.وبينما تعتمد البطاطا البيضاء بشكل أساسي على الأحماض الفينولية للدفاع المضاد للأكسدة، تعتمد الأصناف الملونة مثل البطاطا الأرجوانية والزرقاء والحمراء على مركبات فلافونويدية معقدة غير موجودة في الأصناف البيضاء. وتتمثل الفروق الرئيسية في البطاطا الأرجوانية/الحمراء في توافر مركبات الأنثوسيانين. حيث تتراوح تركيزات الأنثوسيانين عادةً من 20 إلى 50 ملغ لكل 100 غرام من الوزن الطازج.وفي الأصناف الصفراء/البرتقالية تتوافر مركبات الكاروتينات.وتتم حماية مركبات أنثوسيانين بتفاعلات كيميائية (الأسيلة) كي تبقى سليمة في بيئة المعدة الحمضية، لتصل إلى القولون، حيث تُمارس تأثيرات مضادة للأكسدة ومُعدِّلة للميكروبات المعوية موضعياً، بدلاً من تأثيرها المضاد للأكسدة المباشر على مستوى الجسم.وفي المقابل، تفتقر أصناف البطاطا البيضاء إلى مركبات الأنثوسيانين، على الرغم من احتوائها على العناصر الغذائية الأساسية.


مقالات ذات صلة

ما تأثير الكافيين الزائد على ضغط الدم؟

صحتك يعد الماء الساخن بديلاً للقهوة أو الشاي ويتميز بكونه خالياً من الكافيين والسعرات الحرارية (بكسباي)

ما تأثير الكافيين الزائد على ضغط الدم؟

قال موقع «كليفلاند كلينك» إن الكافيين يُحوّل المشروبات إلى مُنشّطات. لذا عندما ترتشف قهوتك أو تتناول مشروب طاقة غالباً ما تشعر بتأثيره مع تدفق الكافيين في جسمك.

«الشرق الأوسط» (واشنطن )
صحتك ينبغي على مرضى القلب تبني عادات غذائية صحية (بيكسلز)

كيف تحافظ على صحة قلبك بعد سن الخمسين؟

قالت جمعية القلب الأميركية إن الوقاية من أمراض القلب تعني اتخاذ خيارات صحية الآن ستعود عليك بالنفع طوال حياتك

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك أنبوبة لاختبار فيروس «إيبولا»

الفيروسات الناشئة... بين الحقيقة العلمية والهلع الاجتماعي

في كل مرة يظهر فيها خبر عن فيروس جديد، أو فاشيةٍ مرضية، في منطقة ما من العالم، يتكرر المشهد ذاته: عناوين مثيرة، ومقاطع متداولة على منصات التواصل الاجتماعي.

د. عبد الحفيظ يحيى خوجة (جدة)
صحتك تريَّثْ في شراء مكملات صحة الدماغ

تريَّثْ في شراء مكملات صحة الدماغ

كشف مسح وطني شامل عن أنَّ نحو ربع البالغين الأميركيين فوق سن الخمسين، يتناولون مكمِّلاً غذائياً واحداً، على الأقل، بغية تحسين صحة الدماغ.

«الشرق الأوسط» (كمبردج - ولاية ماساشوستس الأميركية)
صحتك ترسبات ولويحات تؤدي الى تضيق الشرايين

محاولات علاجية للتغلب على تضيقات شرايين القلب التاجية المتكلّسة

ضمن الفعاليات العلمية لمؤتمر جمعية القلب الأوروبية طرحت أفكار حول كيفية التعامل العلاجي لتضيقات شرايين القلب المُتكلسة.

د. حسن محمد صندقجي (باريس)

ما تأثير الكافيين الزائد على ضغط الدم؟

يعد الماء الساخن بديلاً للقهوة أو الشاي ويتميز بكونه خالياً من الكافيين والسعرات الحرارية (بكسباي)
يعد الماء الساخن بديلاً للقهوة أو الشاي ويتميز بكونه خالياً من الكافيين والسعرات الحرارية (بكسباي)
TT

ما تأثير الكافيين الزائد على ضغط الدم؟

يعد الماء الساخن بديلاً للقهوة أو الشاي ويتميز بكونه خالياً من الكافيين والسعرات الحرارية (بكسباي)
يعد الماء الساخن بديلاً للقهوة أو الشاي ويتميز بكونه خالياً من الكافيين والسعرات الحرارية (بكسباي)

قال موقع «كليفلاند كلينك» إن الكافيين يُحوّل المشروبات إلى مُنشّطات. لذا، عندما ترتشف قهوتك أو تتناول مشروب طاقة، غالباً ما تشعر بتأثيره مع تدفق الكافيين في جسمك، وقد يكون تأثيره قوياً جداً.

كيف يؤثر الكافيين على ضغط الدم؟

يُعدّ الكافيين أكثر المنبهات الطبيعية استخداماً في العالم، ولطالما كان مصدراً أساسياً للطاقة لكل من يحتاج إلى دفعة من النشاط، لكن الكافيين لا يقتصر تأثيره على مجرد تنشيط الجسم.

يقول طبيب القلب لوك لافين إن هذه المادة المؤثرة على العقل تُضيّق الأوعية الدموية. هذا التضييق يُجبر القلب على العمل بجهد أكبر، مما يزيد الضغط اللازم لضخ الدم في جميع أنحاء الجسم.

ويحدث ارتفاع ضغط الدم عادةً في غضون 30 دقيقة من تناول مشروب يحتوي على الكافيين، ويبلغ ذروته بعد نحو ساعة.

ويضيف الدكتور لافين: «ثم يستمر الارتفاع لفترة قبل أن يعود ضغط الدم إلى طبيعته».

ويُعتبر ضغط الدم 120/80 عادةً الحد الأعلى لما يُعدّ صحياً، وقد يؤدي تناول فنجان قهوة صباحاً إلى رفع ضغط الدم بما يصل إلى 10 ملليمترات زئبقية، وهو ما قد يكفي لدخولك في المرحلة الأولى من ارتفاع ضغط الدم، ويستمر ارتفاع هذه الأرقام مع تناول فنجان ثانٍ أو ثالث أو رابع.

ويضيف: «يمكن للكافيين أن يرفع ضغط الدم من مستوى «التحكم» إلى مستوى «عدم التحكم» بسهولة.

هل ينبغي الحد من تناول الكافيين؟

كما هو الحال مع كثير من الأمور في الحياة، يُفضل تناول الكافيين باعتدال.

تشير الأبحاث إلى أن معظم البالغين الأصحاء يمكنهم تناول ما يصل إلى 400 ملليغرام من الكافيين يومياً دون أي آثار صحية ضارة.

وللمقارنة، يحتوي فنجان قهوة عادي سعة 8 أونصات عادةً على 80 إلى 100 ملليغرام من الكافيين.

وبشكل عام، لا يُعد القلق بشأن ارتفاع ضغط الدم سبباً للامتناع عن القهوة تماماً إذا كان ضغط دمك ضمن المعدل الطبيعي.

ويؤكد الدكتور لافين قائلاً: «ربما يكون تناول كمية معتدلة من القهوة مناسباً لك. أما إذا بدأتَ بقياس استهلاكك للقهوة بالأباريق أو كنتَ تتناول مشروبات الطاقة بكثرة، فالأمر مختلف تماماً، وقد يُصبح مشكلة».

إذا تم تشخيص إصابتك بارتفاع ضغط الدم، يُنصح بتقليل استهلاكك للكافيين إلى أقل من 400 ملغ. استشر طبيبك لتحديد الحد الأقصى اليومي الموصَى به من الكافيين.

هل يُمكن أن يُصبح ضغط الدم مُعتاداً على الكافيين؟

يختلف تأثير الكافيين من شخص لآخر. قد يشعر البعض بالتوتر بعد فنجان قهوة واحد، بينما قد يتمكن آخرون من تناول أكواب القهوة المُتجددة طوال اليوم دون الشعور بأي نشاط ملحوظ، لكن عدم الشعور بتأثير الكافيين لا يعني أنه لا يُؤثر على جسمك. فاستهلاك الكافيين يرفع ضغط الدم ومعدل ضربات القلب، ومع مرور الوقت، يُمكن أن يُؤثر هذا الضغط على جهازك القلبي الوعائي سلباً.

ينصح الدكتور لافين قائلاً: «من الأفضل الالتزام ببعض الحدود».

إذا كنت تشعر بأنك لا تستطيع القيام بأي شيء دون جرعات كبيرة من الكافيين، فمن الأفضل أن تسأل نفسك عن السبب.

وينصح قائلاً: «تأمل جيداً في سبب حاجتك إلى كل هذه الكمية من الكافيين. هل تحصل على قسط كافٍ من النوم؟ هل تعاني من مشكلة صحية ما تُشعرك بالتعب؟هل هو التوتر؟ هذه أسئلة تستحق الطرح».


كيف تحافظ على صحة قلبك بعد سن الخمسين؟

ينبغي على مرضى القلب تبني عادات غذائية صحية (بيكسلز)
ينبغي على مرضى القلب تبني عادات غذائية صحية (بيكسلز)
TT

كيف تحافظ على صحة قلبك بعد سن الخمسين؟

ينبغي على مرضى القلب تبني عادات غذائية صحية (بيكسلز)
ينبغي على مرضى القلب تبني عادات غذائية صحية (بيكسلز)

قالت جمعية القلب الأميركية إن الوقاية من أمراض القلب تعني اتخاذ خيارات صحية الآن ستعود عليك بالنفع طوال حياتك.

فقلة التمارين الرياضية، وسوء التغذية، وغيرهما من العادات غير الصحية قد تؤثر سلباً على صحتك على مر السنين ولكن بإمكان أي شخص، مهما كان عمره، اتخاذ خطوات بسيطة للحفاظ على صحة قلبه في كل عقد من حياته.

جميع الفئات العمرية

بغض النظر عن عمرك يمكن الاستفادة من نظام غذائي صحي وممارسة النشاط البدني الكافي. اختر نظاماً غذائياً صحياً، فالطعام الذي تتناوله يُقلل من خطر الإصابة بأمراض القلب والسكتة الدماغية.

وكذلك اختر الأطعمة قليلة الدهون المشبعة، والدهون المتحولة، والصوديوم، وفي جزء من نظام غذائي صحي، تناول كثيراً من الفواكه والخضراوات، والحبوب الكاملة الغنية بالألياف، والأسماك (ويُفضل الأسماك الدهنية في مرتين أسبوعياً على الأقل)، والمكسرات، والبقوليات، والبذور.

واختر منتجات الألبان قليلة الدسم والدواجن منزوعة الجلد، وقلّل من المشروبات المُحلاة بالسكر، واللحوم الحمراء. إذا اخترت تناول اللحوم، فاختر القطع الأقل دهوناً، ومارس النشاط البدني، حيث يمكنك زيادة مدة ممارسة النشاط البدني الهوائي تدريجياً لتصل إلى ساعتين ونصف (150 دقيقة) على الأقل أسبوعياً، سواء كان ذلك لمدة ساعتين ونصف (150 دقيقة) أو ساعة وربع (75 دقيقة) أسبوعياً، أو لمدة ساعة وربع (75 دقيقة) أسبوعياً، أو بمزيج من الاثنين معاً.

وبالإضافة إلى ذلك، تحتاج إلى ممارسة تمارين تقوية العضلات التي تُشغّل جميع مجموعات العضلات الرئيسية (من خلال الساقين، والوركين، والظهر، والبطن، والصدر، والكتفين، والذراعين) لمدة يومين أو أكثر أسبوعياً. يجب أن يحصل الأطفال على 60 دقيقة على الأقل من النشاط البدني يومياً.

العلامات التحذيرية

ليس من المبكر أو المتأخر أبداً التعرّف على العلامات التحذيرية للنوبة القلبية والسكتة الدماغية. لا يشعر جميع المصابين بالسكتة الدماغية بتنميل مفاجئ، ولا بألم حاد في الصدر، عند الإصابة بنوبة قلبية. قد تختلف أعراض النوبة القلبية لدى النساء عنها لدى الرجال.

أمراض القلب قد تنتج عن عدد من الخيارات اليومية الصغيرة (رويترز)

في الخمسينات من العمر

قد يسهل ملاحظة التجاعيد والشيب، لكن تأثير التقدم في السن على القلب لا يُرى. لذا، بدءاً من الخمسينات، اتخذ خطوات إضافية للحفاظ على صحة القلب. بالنسبة للنساء، لا يُسبب انقطاع الطمث أمراض القلب والأوعية الدموية، لكن عوامل الخطر قد تبدأ بالظهور في هذه المرحلة.

وغالباً ما يكتسب الناس وزناً زائداً في هذه المرحلة، وتظهر عوامل خطر الإصابة بأمراض القلب.

وقد أظهرت الأبحاث أن ممارسة الرياضة بانتظام في منتصف العمر تُحسّن مرونة الأوعية الدموية الناتجة عن نمط الحياة الخامل، وتُقلل من خطر الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية.

ابحث عن طرق للمشي أكثر، سواء كان ذلك ببضع خطوات في حيك أو زيارة سوق المزارعين المحلية لشراء المنتجات الطازجة.

اتبع نظاماً غذائياً صحياً، حيث من السهل الانزلاق إلى عادات غذائية غير صحية، واحرص على تناول كميات وافرة من الفواكه والخضراوات، والحبوب الكاملة الغنية بالألياف، والأسماك (ويُفضل الأسماك الدهنية في مرتين أسبوعياً على الأقل)، والمكسرات، والبقوليات، والبذور.

وجرب بعض الوجبات النباتية، وتذكر أيضاً أن تحضير وجبات الطعام في المنزل بدلاً من تناول الطعام في المطاعم يُعدّ عادةً طريقة جيدة لتناول طعام صحي.

والتزم بخطة علاجك، فربما تكون قد شُخّصت بالفعل بارتفاع ضغط الدم، أو ارتفاع الكولسترول، أو داء السكري، أو غيرها من الحالات التي تزيد من خطر إصابتك بأمراض القلب أو السكتة الدماغية. قلّل من هذا الخطر باتباع خطة العلاج الموصوفة لك، بما في ذلك الأدوية وتغييرات نمط الحياة والنظام الغذائي.


الفيروسات الناشئة... بين الحقيقة العلمية والهلع الاجتماعي

أنبوبة لاختبار فيروس «إيبولا»
أنبوبة لاختبار فيروس «إيبولا»
TT

الفيروسات الناشئة... بين الحقيقة العلمية والهلع الاجتماعي

أنبوبة لاختبار فيروس «إيبولا»
أنبوبة لاختبار فيروس «إيبولا»

في كل مرة يظهر فيها خبر عن فيروس جديد، أو فاشيةٍ مرضية، في منطقة ما من العالم، يتكرر المشهد ذاته: عناوين مثيرة، ومقاطع متداولة على منصات التواصل الاجتماعي، وتحليلات متسرعة تتحدث أحياناً عن «الجائحة القادمة» قبل أن تكتمل الصورة العلمية للحدث.

«الوباء المعلوماتي»

وخلال الأشهر الأخيرة عاد هذا المشهد إلى الواجهة مع تصاعد الحديث عن فيروس هانتا في الأميركتين، واستمرار متابعة تفشيات إيبولا في أفريقيا، إلى جانب التحذيرات المتكررة من فيروس نيباه في جنوب وجنوب شرقي آسيا، وهو أحد الفيروسات التي لا تزال تحظى بمتابعة علمية مكثفة عالمياً.

وقد أسهمت جائحة كوفيد-19 في رفع مستوى الحساسية المجتمعية تجاه أي خبر يتعلق بفيروس جديد، حتى أصبح مجرد ظهور اسم غير مألوف كفيلاً بإثارة موجة من التساؤلات، والمخاوف. إلا أن المشكلة لا تكمن في الاهتمام بهذه الأخبار، بل في الطريقة التي تُتداول بها المعلومات؛ إذ تختلط الحقائق العلمية بالإشاعات، والتفسيرات غير المتخصصة، ويجد الجمهور نفسه أمام سيل من المعلومات المتناقضة التي يصعب التحقق من دقتها.

شكل تصويري لخلية فيروس كورونا المستجد من سلالة «أوميكرون»

وتصف منظمة الصحة العالمية هذه الظاهرة بمصطلح «الوباء المعلوماتي» (Infodemic)، أي الانتشار السريع للمعلومات الصحيحة والخاطئة في الوقت نفسه، ما يجعل الوصول إلى المعرفة الموثوقة أكثر صعوبة. وخلال متابعتنا اليومية للأخبار الصحية العالمية، نلاحظ أن كثيراً من النقاشات حول الفيروسات الناشئة لا تتركز على الحقائق العلمية بقدر ما تتركز على الانطباعات، والمخاوف، والتوقعات.

ومن هنا تبرز الحاجة إلى قراءة متزنة للأحداث الصحية الجارية، وتستند إلى الأدلة العلمية، بعيداً عن التهويل الذي يصنع الذعر، وعن التهوين الذي قد يؤدي إلى تجاهل المخاطر الحقيقية.

فيروسات ناشئة

• من أين تأتي الفيروسات الناشئة؟ عندما يتحدث العلماء اليوم عن الفيروسات التي تثير القلق العالمي، فإنهم يشيرون غالباً إلى ما يُعرف بالأمراض أو العدوى ذات المنشأ الحيواني (Zoonotic Diseases)، والتي تعتبر نقطة البداية لمعظم الفيروسات الناشئة، وهي الأمراض التي تنتقل من الحيوانات إلى الإنسان بصورة مباشرة، أو غير مباشرة. وتوضح منظمة الصحة العالمية أن نسبة كبيرة من الأمراض المعدية الناشئة خلال العقود الأخيرة كانت مرتبطة بانتقال مسببات الأمراض من الحيوانات إلى البشر عبر ما يُعرف بظاهرة «العبور بين الأنواع» (Spillover).

وتشير تقديرات منظمة الصحة العالمية إلى أن نحو 60 في المائة من الأمراض المعدية الناشئة المعروفة تتحدر من أصول حيوانية، بينما يرتربط بالحيوانات ما يقارب 75 في المائة من مسببات الأمراض الجديدة المكتشفة. ومن أبرز الأمثلة على ذلك فيروس إيبولا الذي تُعد الخفافيش آكلة الفاكهة المستودع الطبيعي المرجح له، وفيروس نيباه المرتبط بخفافيش الفاكهة، وفيروس هانتا الذي تحمله بعض أنواع القوارض، إضافة إلى فيروسات أخرى مثل سارس، وكوفيد-19 اللذين يُعتقد أن أصلهما يعود إلى الخفافيش، مع وجود عوائل وسيطة محتملة، ومتلازمة الشرق الأوسط التنفسية (MERS) المرتبطة بالإبل.

وقد أدى هذا الترابط الوثيق بين صحة الإنسان والحيوان والبيئة إلى بروز مفهوم «الصحة الواحدة» (One Health)، وهو نهج عالمي يؤكد أن حماية صحة الإنسان لا يمكن فصلها عن حماية الحيوانات، والبيئة، والنظم البيئية التي يعيش فيها الجميع.

• لماذا يشهد العالم ظهوراً متكرراً لفيروسات جديدة؟ يرى كثير من الناس أن العالم أصبح يواجه فيروسات جديدة بوتيرة متسارعة، والحقيقة أن هذا الانطباع يعود إلى عاملين رئيسين؛ الأول يتمثل في زيادة فرص ظهور الأمراض الناشئة نتيجة التغيرات البيئية، والبشرية. والثاني يتمثل في التحسن الكبير في قدرة العلماء على اكتشافها، ورصدها.

إن التوسع العمراني، وإزالة الغابات، والتغير المناخي، والتجارة بالحيوانات البرية، وزيادة الاحتكاك بين الإنسان والحياة الفطرية، كلها عوامل تزيد من فرص انتقال مسببات الأمراض من الحيوانات إلى البشر. كما أن السفر الدولي السريع، والتواصل العالمي الكثيف جعلا انتقال الأمراض عبر الحدود أكثر سهولة مما كان عليه في الماضي.

«هانتا» و«إيبولا» و«نيباه»

لماذا تثير هذه الفيروسات القلق؟ رغم أن هذه الفيروسات تُذكر كثيراً في وسائل الإعلام، فإن لكل واحد منها خصائص مختلفة من حيث مصدر العدوى، وطريقة الانتقال، ومستوى الخطورة.

• فيروس هانتا: ينتقل عادة من القوارض إلى الإنسان عبر استنشاق جزيئات ملوثة بمخلفات القوارض المصابة. ورغم أن المرض قد يكون شديد الخطورة في بعض الحالات، فإن انتقاله بين البشر يُعد نادراً في معظم الأنواع، لكنه ليس مستحيلاً.

• فيروس إيبولا: عاد خلال الأسابيع الأخيرة إلى واجهة المتابعة الصحية العالمية بعد إعلان منظمة الصحة العالمية في مايو (أيار) 2026 أن التفشي الناجم عن فيروس إيبولا من نوع بونديبوغيو (Bundibugyo) في جمهورية الكونغو الديمقراطية وأوغندا يمثل طارئة صحية عامة ذات أهمية دولية. ويكتسب هذا التطور أهمية خاصة، لأن هذا النوع لا تتوافر له حتى الآن لقاحات، أو علاجات معتمدة على نطاق واسع، بخلاف بعض رالأنواع الأخرى من إيبولا. ومع ذلك، فإن هذا لا يعني بالضرورة أن العالم أمام جائحة جديدة، إذ لا يزال الفيروس ينتقل أساساً عبر الملامسة المباشرة لدم أو سوائل جسم المصاب، وتبقى قدرته على الانتشار أقل بكثير من الفيروسات التنفسية واسعة الانتشار. ولذلك فإن احتواء الفاشيات يظل ممكناً عند تطبيق إجراءات العزل، وتتبع المخالطين، ومكافحة العدوى بصورة فعالة.

• فيروس نيباه يحظى في المقابل باهتمام خاص لدى الهيئات الصحية الدولية بسبب ارتفاع معدل الوفيات في بعض الفاشيات، وعدم توفر لقاح معتمد للاستخدام الواسع حتى الآن رغم وجود عدة لقاحات وعلاجات تجريبية قيد التطوير، والدراسة. وترتبط العدوى غالباً بخفافيش الفاكهة، كما سُجلت حالات انتقال محدودة بين البشر في بعض الفاشيات.

وتخضع هذه الفيروسات لمراقبة علمية مستمرة، بسبب قدرتها على إحداث فاشيات خطيرة في ظروف معينة.

هل كل تفشٍّ مرضي يعني أننا أمام جائحة جديدة؟ من أكثر المفاهيم الخاطئة انتشاراً الربط التلقائي بين ظهور فاشية جديدة واحتمال حدوث جائحة عالمية. غير أن علم الأوبئة يميز بوضوح بين عدة مستويات من الأحداث الصحية، كالتالي:

- الفاشية (Outbreak): عندما تبدأ الصورة بحالة فردية، ثم تظهر مجموعة من الحالات المرتبطة ضمن منطقة محددة.

- الوباء (Epidemic): عندما يتسع نطاق الانتشار ليشمل مناطق أو دولاً متعددة.

- الجائحة (Pandemic): وهي انتشار عالمي واسع النطاق لمرض جديد عبر قارات ودول متعددة، مع استمرار انتقاله بين البشر على نطاق واسع.

وليس كل فيروس قادراً على تحقيق هذا الانتشار العالمي. فالعوامل التي تحدد ذلك تشمل سهولة انتقال العدوى بين البشر، وطبيعة طرق الانتقال، وفترة العدوى، وقدرة السلطات الصحية على الاكتشاف المبكر، والاحتواء. ولهذا فإن كثيراً من الفاشيات تُحتوى محلياً، ولا تتحول إلى جوائح عالمية.

وقد أثبتت التجارب السابقة أن ارتفاع معدل الوفيات لا يعني بالضرورة ارتفاع القدرة على الانتشار. فإيبولا، على سبيل المثال، أكثر فتكاً من كوفيد-19، لكنه أقل قدرة بكثير على الانتقال بين البشر، وهو ما يفسر عدم تحوله إلى جائحة عالمية رغم تكرار فاشياته.

وسائل الإعلام الاجتماعي والإشاعاتمعلومات ملتبسة. إذا كانت الفيروسات تنتشر عبر طرق بيولوجية معروفة، فإن الإشاعات تنتشر عبر الشبكات الرقمية بسرعة قد تفوق انتشار الأمراض نفسها. وقد برز هذا الأمر بوضوح خلال جائحة كوفيد-19، عندما انتشرت معلومات غير دقيقة ونظريات مؤامرة وعلاجات غير مثبتة علمياً على نطاق واسع.

وتكمن المشكلة في أن منصات التواصل الاجتماعي أتاحت لأي شخص نشر المعلومات الصحية، وتفسيرها أمام جمهور واسع، بغض النظر عن خلفيته العلمية. وهنا تتجلى ظاهرة «الإنفوديميك» (Infodemic) أو «الوباء المعلوماتي»، وهو المصطلح الذي تستخدمه منظمة الصحة العالمية لوصف الانتشار المتزامن للمعلومات الصحيحة والخاطئة على حد سواء، ما يجعل الوصول إلى المعرفة الموثوقة أكثر صعوبة. ومع ظهور أخبار عن فيروسات مثل هانتا أو إيبولا أو نيباه، تتكرر عناوين تتحدث عن «الفيروس القاتل القادم»، أو «الجائحة الجديدة»، بينما تكون المعلومات العلمية المتاحة في تلك المرحلة محدودة، أو أولية.

ومن الأسئلة المهمة التي ينبغي طرحها عند قراءة أي خبر صحي: ما هو مصدر المعلومة؟ وهل توجد دراسة، أو تقرير رسمي يدعمها؟ وهل يتحدث الخبر عن حالة فردية أم عن نمط وبائي مؤكد؟ إن الإجابة عن هذه الأسئلة تساعد على التمييز بين المعرفة العلمية الموثوقة والمعلومات غير الدقيقة.

• كيف يمكن الوقاية من الفيروسات الناشئة؟ توصي منظمة الصحة العالمية، ومراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها الأميركية بالإجراءات الأساسية التالية:

- المحافظة على النظافة الشخصية، وتلقي اللقاحات الموصى بها ضد الأمراض التي تتوافر لها لقاحات فعالة.

- تجنب التعامل المباشر مع الحيوانات البرية، أو مخلفاتها دون وسائل وقاية مناسبة.

- متابعة المصادر الرسمية، والتحقق من المعلومات قبل تداولها، أو اتخاذ قرارات مبنية عليها.

• كيف نستعد للمستقبل؟ لقد أظهرت التجارب الحديثة أن مواجهة الأمراض الناشئة لا تعتمد فقط على المستشفيات، والأدوية، واللقاحات، بل تشمل أيضاً أنظمة الترصد الوبائي، والتعاون العلمي الدولي، وتعزيز جاهزية الأنظمة الصحية.

كما يبرز دور الإعلام الصحي المسؤول في نقل المعلومات بدقة بعيداً عن الإثارة، والتهويل، بما يسهم في بناء الثقة بالمؤسسات الصحية، وتعزيز الوعي المجتمعي خلال الأزمات.

وفي عالم تنتشر فيه الأخبار بـ«سرعة الضوء»، تبقى الحقيقة العلمية الموثقة هي خط الدفاع الأول، ليس فقط ضد الأمراض، بل أيضاً ضد الخوف، وسوء الفهم، والتضليل.

ويبقى العلم عملية متجددة تتطور باستمرار مع ظهور معطيات وأدلة جديدة، ولذلك تظل المتابعة العلمية المستمرة، والثقة بالمصادر الموثوقة، والابتعاد عن الإشاعات هي السبيل الأمثل لفهم المخاطر الصحية، والتعامل معها بوعي، واتزان.

ويعكس هذا المقال ما توصل إليه العلم من معارف وحقائق حتى تاريخ كتابته، استناداً إلى الأدلة المتاحة، والتقارير الصادرة عن الجهات العلمية والصحية المعتمدة. أما المستقبل فيبقى مفتوحاً على معطيات جديدة، فالفيروسات كائنات متغيرة، والعلوم الطبية تتطور باستمرار، وما نعدّه اليوم حقيقة راسخة قد يُستكمل أو يُراجع غداً في ضوء أدلة علمية أحدث.

* استشاري طب المجتمع