كفاح محمود
TT

التفقير المُمنهج... اقتصادٌ يطحن الإنسان

استمع إلى المقالة

ليس الفقر دائماً نتيجة نقصٍ في الموارد، ولا عجز طبيعي في قدرات الناس، ففي كثير من البلدان الغنية بثرواتها، أو القادرة على إنتاج فرص العمل لو أحسنت إدارة اقتصادها، يتخذ الفقر شكلاً آخر: يُصنع عندما تُغلق أبواب العمل أمام الكفاءة، ويُكافأ الفساد بدلاً من الإنتاج، وتُدار الدولة بوصفها غنيمة لا مؤسسة، عندها لا يولد الفقر وحده؛ بل يُصاغ عمداً داخل منظومة تُحسن استثمار هشاشة الإنسان.

تاريخياً، لم تكن السلطة تخشى الفقير لأنَّه ضعيف؛ بل تخشاه عندما يمتلك أدوات السؤال والتنظيم والمطالبة، لذلك كان التفقير - بوصفه سياسةً لا صدفة - إحدى وسائل ضبط المجال العام، فالجائع الذي يُستنزف يومه بين الإيجار والدواء وقوت الأطفال، يُدفع تدريجياً إلى سياسة الضرورة: يطلب النجاة قبل الحقوق، ويقبل الحد الأدنى قبل الكرامة، وهنا تتحول اللقمة إلى أداة حكم، ويتحول الخوف من الغد إلى نظام طاعة.

في النظم الشمولية، تتجلَّى صناعة الفقر عبر ثلاث بوابات واضحة: احتكار الاقتصاد، وتحطيم المؤسسات، وإفقاد المجتمع أدوات الحماية، حينها تصبح الوظيفة العامة امتيازاً سياسياً، والمقاولة عقد ولاء، والتعيين جائزة انتخابية، فينهار مبدأ المنافسة ويغيب الاستثمار الحقيقي، وحين تُقوَّض استقلالية القضاء وأجهزة الرقابة، يصبح نهب المال العام تكلفة سياسية بلا عقوبة، أما التعليم - الذي يفترض أن يكون سلّماً اجتماعياً - فيُكسر عمداً أو يُهمّش، حتى لا ينتج مواطناً قادراً على النقد والمحاسبة، عند هذه النقطة لا يعود الفقر مجرد دخل منخفض؛ بل يكون تراجعاً في القوة الاجتماعية: ضعف في المعرفة، وفي الصحة، وفي الثقة، وفي القدرة على التخطيط للحياة.

لكن الصورة لا تتوقف عند الشموليات، ففي الرأسمالية المنفلتة أو «المُلتقَطة» من قِبل جماعات المصالح، يتخذ التفقير ملامح أكثر أناقة وأقل صخباً، هنا لا تُغلق أبواب العمل بقرار سلطوي مباشر، بل تُغلق تدريجياً عبر قواعد سوق غير عادلة: احتكار، وتلاعب بالأسعار، وتفاوت هائل في الأجور، وتآكل الحماية الاجتماعية، وتمركز الأرباح لدى قلة، وحين تتحكم الشركات الكبرى - الصناعية والغذائية والنسيجية وغيرها - في سلاسل الإنتاج والتوزيع والإعلان والضغط السياسي، تُعاد صياغة المجتمع بوصفها مساحة استهلاك لا مجال عدالة. قد يكون الاقتصاد نامياً على الورق، لكن نموه يصبح نمواً بلا إنصاف: وظائف هشة، وعقود مؤقتة، وأجور لا توازي التضخم، وطبقات وسطى تتآكل بصمت، بهذا المعنى، قد يُنتَج الفقر في قلب المدن الحديثة كما يُنتَج في الأطراف المنسية، لكن بأدوات مختلفة.

أما في النظم الاشتراكية حين تنحرف عن هدف العدالة إلى بيروقراطية متصلبة، فإنَّ التفقير يأتي من باب آخر: مساواة شكلية تُخفي عجزاً إنتاجياً، واحتكار للدولة يتضخم بلا كفاءة، عندما تُدار الموارد بمنطق الإدارة لا بمنطق الابتكار، وحين تُصبح الدولة ربّ العمل شبه الوحيد، تُقمع روح المبادرة ويتراجع الاقتصاد الحقيقي، فتتحول العدالة من مشروع تمكين إلى نظام توزيع محدود لا يصمد أمام الأزمات، وتظهر المفارقة: تُرفع شعارات الإنصاف، لكن المواطن يفقد جودة التعليم والخدمات وفرص التطور، فيبقى فقيراً (بالخيارات) حتى لو امتلك حداً أدنى من الدخل.

حتى الديمقراطيات ليست محصنة، فالديمقراطية - إن لم تُدعَم بمؤسسات مستقلة، وقضاء قوي، وإعلام مهني، وسياسات منافسة عادلة - قد تتحول إلى مسارح شعبوية: وعودٌ تُشترى بها الأصوات، ثم تُموَّل بالعجز والديون، أو تُغطّى بفساد محمي بشرعية الصندوق، وهنا يظهر وجهٌ آخر لصناعة الفقر: تسليع السياسة، يصبح المواطن رقماً انتخابياً، وتصبح حاجته اليومية مادةً للمزايدة، وتُستبدل بالإصلاح العميق مسكنات قصيرة العمر لا تبني اقتصاداً منتجاً، ولا تحمي المجتمع من الانحدار.

يُذكّرنا الاقتصاد السياسي الحديث بأنَّ الفقر لا يُقاس بالدخل وحده؛ بل بالقدرة على العيش بكرامة: تعليم جيد، وصحة، وسكن، وفرص عمل، وأفقٌ يمكن توقعه، لهذا، فإنَّ مكافحة الفقر ليست حملة خيرية ولا خطاباً عاطفياً، بل هندسة عدالة: دولة قانون لا دولة امتياز، واقتصاد تنافسي لا احتكاري، ومؤسسات رقابة لا واجهات، وتعليم يحرر الإنسان لا يروضه.

والخلاصة أن الفقير لا يحتاج شفقة، لأن الشفقة تُبقيه تابعاً؛ يحتاج عدالة قابلة للقياس: محاسبة الفاسد، وحماية المنافسة، وإعادة الاعتبار لقيمة العمل، واستثمار حقيقي في التعليم والصحة، وشبكات أمان اجتماعي تعالج الصدمة لا تُديمها، عندها فقط يتحول المجتمع من اقتصاد جائع إلى دولة مواطن: يسأل عن الحق لأنه لم يعُد مهدداً في لقمة عيشه، ويطالب بالإصلاح لأنَّه يرى في الغد وعداً لا فخاً.