سمير عطا الله
كاتب عربي من لبنان، بدأ العمل في جريدة «النهار»، ويكتب عموده اليومي في صحيفة «الشرق الأوسط» منذ 1987. أمضى نحو أربعة عقود في باريس ولندن وأميركا الشمالية. له مؤلفات في الرواية والتاريخ والسفر؛ منها «قافلة الحبر» و«جنرالات الشرق» و«يمنى» و«ليلة رأس السنة في جزيرة دوس سانتوس».
TT

لكل حدائقه

استمع إلى المقالة

ليس لك أن تختار بين حرب ولا حرب، بل أي حرب تفضل. لدى الدول الكبرى مئات الحروب تخوضها ضد الآخرين منذ مئات السنين. روسيا هي حتماً صاحبة الرقم القياسي: روسيا القيصرية، وروسيا السوفياتية، وروسيا الاتحادية التي بدأت حروبها عام 2014 في القرم. وعندما استفظع العالم هجوم دونالد ترمب على كاراكاس نسي أن موسكو تخوض حرباً رهيبة في كييف وأن حروبها الأخرى ممتدة إلى القوقاز وآسيا الوسطى، وأنها احتلت جنوب جورجيا وأبخازيا وغيرهما مما تعتبره من «حدائقها الخلفية».

كل دولة كبرى لها «حديقة خلفية». وهي العبارة التي حلت محل «المستعمرة» بعد موجة التحرر العالمي. أي علاقة تبطن جميع العناصر الاستعمارية من دون التسمية المذلة. ترمب وبوتين يتحدثان لغة واحدة بأسلوب مختلف. عام 1968 دخل الاتحاد السوفياتي إلى تشيكوسلوفاكيا على رأس الآلاف من قوات حلف وارسو، لقمع ما سمي «ربيع براغ» الذي مهد لانهيار الشيوعية الأممية في ما بعد.

صاحب القوة فظ دائماً، سواء كان روسياً أو أميركياً، وشيوعياً أو رأسمالياً. هذا طبعاً إذا لجأ إليها في غير حق، لأنها في بعض الأحيان تستخدم لإعانة الضعيف أو المظلوم.

قبل الرئيس الأميركي والرئيس الروسي أسلاف سجلوا السوابق نفسها في كل عصر. لكن وقع هذه الخلافات يختلف كثيراً عندما تقع في عصرنا ونكون من ضحاياها أو شهوداً عليها.

ثمة شبه في التعبير عن مظاهر القوة بين كبيرَي ملاكها، لكن أداء ترمب سيشكل ظاهرة مقلقة ومثيرة معاً. إنه «السوبر» في جميع الخلافات وجميع المصالحات والإملاءات. وبينما يبدو صديقه وغريمه الروسي متعباً في المستنقع الأوكراني يتنقل هو مثل الديك الصياح على تلال النزاعات في كل مكان.

في الماضي كان يلعب هذا الدور الزعيم السوفياتي نيكيتا خروشوف. يخلع حذاءه ويضرب به الخشبة أمامه في الأمم المتحدة. أو يؤنب نائب الرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون في جناح معرض للمطابخ. لكن عند اللحظة الأخيرة كان يجنب العالم ثقاب الحرب الأخيرة.