أحمد عبد المعطي حجازي
TT

والثقافة العربية...؟

استمع إلى المقالة

بعد أن كتبت المقالتين السابقتين اللتين تحدثت فيهما عن الثقافة الغربية وتساءلت: هل تراجعت؟ وأجبت عن السؤال جواباً أعدّه انطباعاً أقرب ما يكون لما يتلقاه الزائر الأجنبي مما يراه ويسمعه في البلد الذي يزوره، دون أن يختبره بدقة، ويمعن النظر فيه، وينقب ليرى ما وراء الظاهر، ويرجع لشهادات أخرى غير الشهادات التي أملت عليه جوابه – أقول إنني بعد أن كتبت هاتين المقالتين عن الثقافة الغربية خطر لي أن أطرح السؤال ذاته على الثقافة العربية، وهو أمر مفهوم؛ لأن ما نراه لدى الآخرين يلفتنا للنظر فيما لدينا. ونحن نعرف أن الثقافة الغربية كان لها دورها المؤثر في ثقافتنا الحديثة، وأننا لا نزال حتى اليوم نعود للثقافة الغربية لنرى ما جدّ فيها، وما يصح أن نتحاور حوله، وما يصح أن ننتفع به.

لكنني وقفت بعد أن خطر لي هذا الخاطر متردداً شاعراً بصعوبة لم أشعر بها وأنا أكتب عن الثقافة الغربية، وهي مفارقة تحتاج إلى إيضاح؛ إذ كيف يكون حديث الكاتب عن ثقافته القومية التي نشأ فيها وتربى، وشارك في أنشطتها مرحلة بعد مرحلة أصعب من حديثه عن ثقافة أخرى لم يكن له فيها إلا ما يكون للزائر العابر؟!

***

حين طرحت السؤال على الثقافة الغربية طرحته من الموقع الذي تكون فيه الرؤية مشروطة به، ويكون الجواب بالتالي مشروطاً بهذا الشرط، فأنا في جوابي عن السؤال أتحدث عما تمكنت من رؤيته وأنا في موقعي هذا، فمن المحتمل، بل المؤكد أن هناك جوانب بعيدة لم أرها. لأن الثقافة الغربية ثقافة حافلة، أو أنها بالأحرى ثقافات متعددة. فنون، وفلسفات، وعلوم، وتيارات، ومذاهب، لها ماضيها، ولها حاضرها. وفيها المعروف المشهور وهو على كثرته قليل إذا قيس بغير المعروف الذي لا يصل إليه علم الأجنبي. وهذا ما حسبت حسابه وأعطيته حقه فسألت ولم أطلق حكماً، ورجعت إلى شهادات الغربيين الذين تحدثوا عن ثقافتهم فاختلفوا فيما بينهم، لكن عدداً سبق للحديث فأعلن عن صور من التراجع الذي رآه عن قرب ورأيته أنا كما ذكرت من بعيد، ورجعت فيه لتقارير وإحصاءات منشورة صادرة عن مؤسسات غربية مختصة. ومع هذا، فباستطاعة أي كان أن يقدم شهادات مختلفة عن شهادتي، سواء كان غربياً أو كان مثلي أجنبياً؛ لأن معرفة الغربي بثقافته أوسع بطبيعة الحال، ولأن الأجانب مختلفون فيما بينهم. وأنا أرى ما أتيح لي أن أراه، ويرى أجنبي غيري ما لم أره مما يحتمل أن يتعارض مع ما رأيته أو يختلف عنه، وهو في الحالين شهادة أخرى تصحح ما رأيته أو تكمله، وأظل أنا شاهداً أجنبياً غير مطالَب بما يطالَب به المثقف الغربي أو الأجنبي المختص. والأمر ليس كذلك حين أطرح السؤال على ثقافتي القومية.

***

حين أطرح السؤال على الثقافة العربية فالمنتظر أن يكون جوابي هو الواقع الذي أقدمه لغيري فلا يشك في صحة ما أقول لأنه التجربة الفعلية التي عشتها بكل كياني، فكأني وأنا أتحدث عن ثقافتي القومية أتحدث عن نفسي.

لكن المسألة ليست بهذه البساطة. لأن الثقافة العربية أوسع وأغنى من أن يستطيع واحد من أبنائها أن يطرح عليها هذا السؤال ويجيب عنه إجابة يزعم أنها الحق الذي لا يقبل طعناً أو مراجعة أو إضافة.

ومن المؤكد أن المثقف العربي المشارك في النشاط الثقافي يعرف عن ثقافته القومية أكثر مما يعرف الأجنبي مثله مثل كل مثقف في علاقته بثقافته القومية، لكنه مثله مثل غيره يعرف عن ثقافته أشياء وتفوته أشياء أخرى، خاصةً حين تكون ثقافته بهذه السعة وبهذا الغنى وبهذا التاريخ وما كان فيه من تحولات وتطورات وتأثيرات متبادلة مع الثقافات الأخرى.

ويجوز بالطبع أن يعرف المثقف الأجنبي المختص، أقصد المستشرق أو المستعرب، في ميدان تخصصه ما لا يعرفه المثقف العربي البعيد عن هذا التخصص، فبوسعه أن يقدم في ميدان تخصصه دراسة ننتفع نحن العرب بما وجدناه فيها. وأنا كنت واحداً من الجمهور الواسع الذي كان يستمع إلى المستشرق الفرنسي الأستاذ جاك بيرك وهو يلقي محاضراته في سبعينات القرن الماضي وثمانيناته في الساعة الخامسة بعد ظهر الاثنين من كل أسبوع عن عميد الأدب العربي طه حسين، وبعدها عن القرآن الكريم الذي قدم فيه ترجمة متميزة توّج بها تاريخه في الاستشراق وعمله في الكوليج دو فرانس.

لكن الثقافة التي أتحدث عنها الآن ليست مجرد معلومات صحيحة أو قراءات جديدة وإنما هي قبل كل شيء انتماء، وبهذا الانتماء يجيب المثقف العربي عن هذا السؤال المطروح على ثقافته، وبه أيضاً ينظر القارئ في هذه الإجابة فيحكم عليها بشروط تختلف قليلاً أو كثيراً عن الشروط التي تستند لها قراءته للإجابة التي يقدمها الأجنبي؛ لأن الثقافة القومية تعبير عن شخصية أصحابها يميزها عن غيرها من الثقافات حتى حين يكون الموضوع الذي تعالجه مشتركاً مع الثقافات الأخرى.

من هنا لا يستطيع المثقف العربي وهو يتحدث عن ثقافته القومية أن يكون محايداً تماماً، لا في نظر القارئ الأجنبي، ولا في نظر القارئ العربي الذي لا يستطيع هو الآخر أن يكون محايداً، فهو إما أن يكون مع ما يقرأه وإما أن يكون ضده أو مختلفاً معه. وقد دخلت هذه التجربة كثيراً، ليس فقط مع غيري، بل أيضاً مع نفسي.

***

دخلت هذه التجربة مع الأجيال التي سبقت جيلي من الشعراء المصريين الذين شنوا علينا الحرب أنا ورفيقي الراحل صلاح عبد الصبور في خمسينات القرن الماضي وستيناته حين بدأنا ننشر قصائدنا التي خرجنا فيها على القواعد الموروثة في استخدام العروض العربي ولم تكن تجربة سهلة؛ لأن الذين تصدوا لنا كانوا مشاهير كباراً مقروءين مسموعي الكلمة يتقدمهم الكاتب الشاعر عباس محمود العقاد.

لكننا استطعنا أن نقترب من جمهور الشعر وخاصة أبناء جيلنا الذين اتسعت ثقافتهم وتطورت ذائقتهم فوقفوا إلى جانب حركة التجديد التي أطلعت أجيالاً من الشعراء المجددين في مصر، والعراق، ولبنان، وسوريا، ثم في تونس، وفلسطين، والمغرب، والسودان تحولت بهم التجارب الفردية الأولى إلى عصر جديد من عصور الشعر العربي.

ثم كانت تجربتي التالية التي أديت فيها دوراً يراه البعض شبيهاً بالدور الذي أدّاه العقاد معي، وذلك حين اعتبرت قصيدة النثر نثراً قد يقترب من الشعر لكنه لا يستطيع أن يكون شعراً طالما افتقر لموسيقى الشعر.

وأنا لم أطرح السؤال حتى الآن، ولم أجب عنه. وربما فعلت في المقالة القادمة.