أمير طاهري
صحافي إيراني ومؤلف لـ13 كتاباً. عمل رئيساً لتحرير صحيفة «كيهان» اليومية في إيران بين أعوام 1972-1979. كتب للعديد من الصحف والمجلات الرائدة في أوروبا والولايات المتحدة، ويكتب مقالاً أسبوعياً في «الشرق الأوسط» منذ عام 1987.
TT

الانتخابات الأميركية: الطرف الثالث ليس وارداً

استمع إلى المقالة

ما لم يقع «حدث» مفاجئ آخر، فمن المرجح أن تكون المواجهة الرئاسية المقبلة في الولايات المتحدة مبارزة بين الرئيس السابق دونالد ترمب ونائبة الرئيس كامالا هاريس. سوف تتضمن هذا المبارزة، إذا وقعت، عدداً من الميزات الجديدة.

السيدة هاريس هي المرأة الثانية فقط التي تصل إلى الجولة الأخيرة في انتخابات الرئاسة الأميركية. وهي أيضاً المرأة الأولى «السوداء» من خلفية هندية وجامايكية تصل إلى الدرجة ما قبل الأخيرة من السلم الرئاسي.

هناك مستجدات أخرى من جانب ترمب كذلك. فهو ثاني رئيس سابق بعد ثيودور روزفلت يسعى للعودة إلى البيت الأبيض، في مواجهة معارضة النخبة التقليدية في حزبه. ولكن على النقيض من روزفلت الذي ترك الحزب الجمهوري لتأسيس حزبه التقدمي المنكوب، فإن ترمب لم يغادر الحزب الجمهوري، بل وحّد الحزب تحت رايته.

من بين المفارقات في هذه الانتخابات أن الجمهوريين يدخلون الجولة النهائية متحدين على نحو غير متوقع، في حين لا يزال الديمقراطيون، بمن في ذلك بعض الديمقراطيين من اليسار، مترددين بشأن هاريس باعتبارها حاملة لواء الحزب.

إن الانتخابات الرئاسية الأميركية كثيراً ما كانت تستند إلى الشخصية أكثر من تركيزها على السياسة. فمن بين الرؤساء الـ46، كان لدى الولايات المتحدة 31 رئيساً من ذوي الخلفية العسكرية حتى أعلى الرتب. وحده بيل كلينتون جعل رفضه للتجنيد خلال حرب فيتنام وساماً للشرف. وادعى باراك أوباما، الذي لم يكن له سجل في الخدمة العسكرية أيضاً، حيازة الشرف العسكري من طريق جده لأمه الذي خدم في الجيش. وقد زينت صورة الجد غلاف كتاب أوباما «جرأة الأمل».

لكن هذه المرة، لا يملك أي من المرشحين النهائيين سجلاً عسكرياً يفتخر به، حتى من خلال الأجداد.

لكن ماذا عن المكونات الأخرى في السرد الرئاسي الأميركي؟

تُقدم الحكاية الرمزية الشخصية الطامحة بأنها تتحدر من أسرة متواضعة، وفقيرة أحياناً، تعيش في كوخ خشبي، ولكنها تتحرك صعوداً على السلم الاجتماعي بفضل العمل الجاد والجدارة الشخصية. ركز بيل كلينتون كثيراً على ادعائه بأنه يتيم ربته أم إِيثارية متفانية، وهي تيمة ساعدت في تأمين أصوات الأمهات العازبات وقتذاك. مثل هذه التيمات لم تعد تفلح هذه المرة.

ربما لم يكن ترمب يعيش في الشقة العالية في برج ترمب منذ البداية، لكنه بالتأكيد لم ينشأ في كوخ خشبي أيضاً. تمكن والدا هاريس من الحصول على مكانة الطبقة المتوسطة العليا بفضل العمل الشاق وفرصة العيش في كاليفورنيا، حيث التمييز الإيجابي يكاد يكون عقيدة.

اختار المعسكران الهجمات الشخصية والمستوى الذي نادراً ما شهدناه من قبل. قائمة الاتهامات الموجهة ضد ترمب طويلة للغاية بالنسبة لهذا المقال. وحُكم عليه باعتباره مذنباً بكل خطيئة يمكن تصورها، بما فيها الخطيئة الأصلية.

أما بالنسبة لهاريس، فإنها قد صُورت في شخصية «إيزابيل: شخصية الكتاب المقدس الشريرة» الحاصلة على شهادة في القانون، وهي المُلامة على جميع الإخفاقات الحقيقية أو المتخيلة خلال الفترة المشتركة بين أوباما وبايدن التي استمرت 12 عاماً في البيت الأبيض.

بما أن أياً من الطرفين لم يسمح بعقد مؤتمر مفتوح، فإن القضايا السياسية الرئيسية لم تُناقش حتى على مستوى الحزب.

ما هي تلك القضايا؟

الأولى أن الولايات المتحدة كانت منخرطة في حرب أهلية ثقافية لأكثر من عقد من الزمان.

والرؤية التقليدية للولايات المتحدة باعتبارها بوتقة صهر للهويات الثقافية والدينية والعرقية تواجه تحدياً من قبل ما يقدمه تلاميذ صامويل هنتنغتون بوصفه منضدة للسلاطة (متعددة المذاقات) حيث تكون الهوية المزدوجة هي القاعدة. إن صراع الحضارات يحدث داخل الولايات المتحدة.

ففيه يدعي كل شخص أنه ضحية، وغالباً ما يشعرون بذلك بصدق. وعبارة «سوف نستعيد بلادنا» تعني ضمناً أن شخصاً ما قد سرقها. وشعار «حماية حقوقنا الاجتماعية» يعني أن شخصاً ما يحاول حرمان الأميركيين من الإعانات العامة، والتمييز الإيجابي، والمزايا التي يتلقاها نصف سكان البلاد تقريباً. وشعار «حياة السود مهمة» يعني ضمناً نظاماً من القيم القائمة على لون البشرة.

أحد المخاطر التي تواجهها الديمقراطيات هو تحول آلية الحكم إلى حزب سياسي بثقافته وتقاليده وأساليبه، وغني عن القول، مصالحه، وفي المقام الأول مصالح الاستدامة الذاتية. ومن ثم، فإن الولايات المتحدة لديها طرف ثالث غير مرئي، إلى جانب الجمهوريين والديمقراطيين.

تُوظف الحكومة الفيدرالية ما يقرب من ثلاثة ملايين شخص. ومن بين هؤلاء، هناك ما بين 5000 و7000 شخص يتغيرون بتغير شاغل البيت الأبيض. فالوظائف الثابتة، التي تدوم في بعض الأحيان مدى الحياة، تساعد في إدامة نخبة من كبار الموظفين التي ترى أن مهمتها الأساسية تتلخص في الإبقاء على سفينة الدولة على المسار الذي رسمته. وتعتبر هذه النخبة راسخة بصفة خاصة في وزارة الخارجية، ووزارة الدفاع، ووزارة الخزانة، والأهم من ذلك، السلطة القضائية.

مع ذلك، فإن ما نتعامل معه ليس نتاج مؤامرة من قبل عصابة في غرفة مظلمة. إنها الناتج الأساسي لنظام تُختزل فيه. فالفوز في الانتخابات فن، والحكم فن مختلف تماماً. هناك قضية رئيسية أخرى تتلخص في إعادة توزيع السلطة على المستوى الفيدرالي وعلى مستوى الولايات. في العديد من الولايات، لا سيما في الجنوب، لا تزال المخاوف الكونفدرالية قائمة.

من زاوية أخرى، يُبشر الديمقراطيون النخبويون بالإنجيل الفيدرالي القديم للولايات القريبة من المياه، لا سيما المحيطين والبحيرات العظمى.

لهذا السبب، يُصور الديمقراطيون القرار الأخير الذي اتخذته المحكمة العليا بالسماح لبعض الولايات بوضع قواعد خاصة بها للإجهاض باعتباره هجوماً على الديمقراطية، وليس تحركاً نحو اللامركزية على النحو الذي قد يمتد إلى قضايا أخرى.

حالما يطلق المرشحان الرئاسيان مختلف الإساءات ضد بعضهما البعض، لا يعلم الناخب شيئاً عما يعتزمان فعله حقاً إزاء التصدعات في هياكل النظام العالمي، أو الحرب في أوكرانيا، أو الصين باعتبارها تهديداً أو منافساً، أو الزيادة المطردة في الأنشطة المعادية للسامية، أو تعميق المعاملات الفظة في الحياة العامة.

في الخامس من نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، لن تكون فئة كبار الموظفين أو «الطرف الثالث» هم أصحاب الأفضلية.