يكادُ يكون العنفُ اسماً آخرَ لمدينةِ بلفاست، عاصمةِ آيرلندا الشمالية. فهو مَا أن يغيبَ فترةً قصيرةً من الزَّمن حتى يعودَ إليها، كمَا يعود غائبٌ إلى داره – إن صحَّ التشبيه. العنفُ لا يبحث عن سببٍ للعودة إلى مدينة كانَ في وقت سابق لا يغادرها؛ فهو في حالة تربُّصٍ دائم بها، وبمجرد انطلاق شرارةِ من نار، مهما صغُر حجمُها، يأتي مسرعاً إلى تلك المدينة التي تبدو لمن يعرفونَها وكأنَّها تتموضع فوقَ فُوُّهَةِ بركان. لكنَّها تظلُّ مدينةً تحفظ جراحَها جيداً، وتعرف كيف ومتى تفتحُها من جديد في اللحظات التي تختارها، مهما اختلفتِ الآراءُ حولها، ومهما استطالت في أنحائِها جدرانُ العزل والانفصال. هذا الصيف هو الثالثُ على التوالي الذي يكتسحُها فيه العنفُ الموجَّهُ ضد المهاجرين. الفاعل والمحرض والمحرك ليس مختفياً، بل ظاهر للعيان. إنَّه اليمينُ المتطرف.
في الأيام القليلة الماضية، قامَ لاجئٌ سوداني بوضعِ عودِ ثقابٍ قرب نار لم تنطفئ يوماً، باعتدائه المروّع على مواطنٍ من أهالي المدينة في الجزء الشمالي منها، حسب التقاريرِ الإعلامية. الصورُ التي نقلتها وسائلُ الإعلام للحادثة فتحتِ الأبوابَ على مصارعها أمام عناصر اليمين المتطرف المناوئ للهجرة والمهاجرين للتحريض في وسائل التواصل الاجتماعي. نداءاتُ الساسة من كل الأحزاب في الإقليم، والتي بُثّت على شاشات التلفزيون وحثَّتِ المواطنين على التزام الهدوء، لم تجد لها آذاناً مصغية. الحادثة جاءت بعد أيام قليلة من قيام شاب هندي، سيخي، بقتلِ شاب إنجليزي طعناً في لندن. هذا يعني أنَّ شرارةَ النار كانت جاهزة للانطلاق وإشعال الحرائق.
كما هو متوقعٌ، انفجر السكونُ الذي كان يخيّم بضجر على مدينة بلفاست في حرائقَ ضارية تلتهم بيوتَ اللاجئين والمتاجر والسيارات والحافلات العامة، وتحيل الشوارعَ والطرقات إلى ميادين معارك كرّ وفرّ بين المتظاهرين وشرطة مكافحة الشغب. استناداً إلى بيانات الشرطة والتقارير الإعلامية، استأثر القسمُ الشرقي من المدينة (الجزء البروتستانتي) بأعمال العنف.
فيما سبق من أعوام، وما وُثِّق من حوادث شغب، كان العنفُ بين السكان في شطري المدينة المقسمة يأتي ليزيد في عمق انقسامها، ويعمّق من نزف جراحِها، وكأنَّ الانقسام قدرٌ لا مفرَّ منه ولا مهرب. بعد كل حادثة عنف، تزداد الجدران الفاصلة بين الطائفتين المتعاديتين عدداً، والقديمة منها تزداد ارتفاعاً، حتى يبدو السلام - إن صحَّ الوصف - جملةً لا محلّ لها من الإعراب، أو كلمة غير قابلة للصرف في نَحو بلفاست، وكل مدن آيرلندا الشمالية. وحين وصل المهاجرون إلى بلفاست، تحول العنفُ والكراهيةُ نحوهم، علماً بأنَّ أعداد المهاجرين في الإقليم، وفق الإحصاءات الرسمية، تعدُّ الأقل مقارنة بأي منطقة أخرى في بريطانيا.
فعل اللاجئ السوداني الشنيع ضد مواطن من أهالي المدينة لا يمكن تبريره، بل هو فعلٌ مُدان أخلاقياً ومُجرّم قانونياً. ورغم ذلك، فإنَّ عائلة المعتدى عليه أصدرت بياناً تدين فيه أعمالَ الشغب وتتبرأ منها، فإنَّ الوحش كان قد كسر الأصفاد ولم يعد ممكناً لجمه.
قد لا تكون مهمتنا البحث عن إجابات لأسئلة تاريخية معقدة كانت وستظل قائمة في الإقليم بلا حلول، لكن في الوقت ذاته، فإن تجاهل هذه الأسئلة يحمل من الضرر أكثرَ مما يقدّم من النفع. ثمة وسائلُ أخرى يمكن من خلالها إلقاءُ الضوء على أحداث العنف الحالية في بلفاست؛ والبداية تتمثل في الظروف الاقتصادية السيئة التي يعيشها الإقليم منذ سنوات، نتيجة انعدام التوافق السياسي الإيجابي بين الطائفتين وما يمثلهما من أحزاب.
اتفاقُ السَّلام في عام 1998 نجحَ في وضع حدّ للاقتتال، إلا أنَّه لم ينجح في بناء جسر مفتوح يتيح المرور في الاتجاهين طائفياً. التوتر بين شرق بلفاست (حيث البروتستانت) وغربها (حيث الكاثوليك) لا يزال على عهده؛ الأمر الذي حرم الإقليم كله من فرصة استقطاب رؤوس الأموال من المستثمرين، وأفضى ذلك إلى انعدام فرص العمل؛ ما قاد إلى ارتفاع نسبة العاطلين من الشباب.
التقاريرُ الإعلامية في السنوات القليلة الماضية سلَّطتِ الأضواءَ بانزعاج على ارتفاع ملحوظ في نسبة حوادث الانتحار بين الشباب من الطائفتين، وأوعزت ذلك إلى فقدان الأمل، والحيرة التي تعصف بما صارَ يُعرَف باسم «جيل السلام» (أي الجيل الذي وُلد بعد توقيع اتفاق السلام عام 1998). وفي أجواء كهذه، تتكوَّن بيئةٌ مناسبةٌ وشديدةُ الملاءمة لنشاطات اليمين المتطرف، وتحريضه ضد المهاجرين بتأجيج الكراهية، حيث تكون أي شرارةٍ من أي اتجاه كفيلةً بإشعال حرائق العنف.
سُوءُ الحظ قادَ هذا اللاجئ إلى ارتكاب جريمة مروّعة، أفضت إلى انفجار غضب كانَ مدفوناً في الصدور مثل بركان. أمَّا التفاصيل الأخرى المتعلقة بالأسباب التي دعت اللاجئَ إلى ارتكاب الجريمة، وبيانات الإدانة وتصريحات المسؤولين وتبادل التُّهم بينهم، فتظل لا تختلف عن بقع زيتٍ قليلة طافيةٍ على سطح بحيرة كبيرة. بدلاً من ملاحقة من يعملون على إبقاء النار مشتعلة، يحرص المسؤولون والأجهزة الأمنية على ملاحقة من ألقى عودَ ثقاب.
