حسين شبكشي
رجل أعمال سعودي، ومستشار اقتصادي لعدد من الشركات الخليجية الكبرى، وعضو مجلس إدارة ورئيس مجلس إدارة في عدد من الشركات السعودية والأجنبية. نشر العديد من المقالات في مجالات مختصة، وفي صحف ومجلات عامة في العالم العربي. اختير عام 1995 «أحد قادة الغد» من قبل «المنتدى الاقتصادي العالمي» في دافوس. أول رجل أعمال سعودي وخليجي ينضم إلى «منتدى أمير ويلز لقادة الأعمال».
TT

هشام ناظر إلى رحمة الله!

سيغيب «الشيخ هشام» عن مجلسه العامر كل أربعاء.. سيغيب الصوت ذو البصمة المعروفة والضحكة الكبيرة. لقد رحل «أبو لؤي» عن دنيانا بعد حياة حافلة وغنية تعكس قصة نجاح لرجل استثنائي قضى جل عمره يتنقل من منصب إلى منصب ومن مهمة إلى أخرى بكل أناقة وبكل جدارة وبكل نجاح. إنها قصة لرجل من الكبار. لقد خسرت السعودية برحيله رجلا من أنبل الرجال وقامة وطنية مميزة.
هشام ناظر كان ابن أسرة عريقة من مدينة جدة، اهتم والده مبكرًا بتعليمه، فأرسله إلى مصر للالتحاق بـ«فيكتوريا كوليدج»، أهم مدرسة في وقتها على مستوى العالم العربي، حيث كان يلتحق بها علية القوم من كل الدول العربية. ونجح فيها بتفوق ليلتحق بجامعة عريقة في لوس أنجليس بالولايات المتحدة، ويتخرج ليبدأ مسيرة العمل الحكومي، متنقلا بين النفط والتخطيط ليستقر في التخطيط الذي أصبح أول وزير له، ليقود بعدها وضع الخطط الأساسية للتنمية في السعودية، ومعها يؤسس قاعدة الصناعة الحديثة عبر إطلاق مشروع المدينتين الصناعيتين الجبيل وينبع على ساحلي السعودية، برؤية مستقبلية سابقة لوقتها لا تزال فعالة حتى اليوم، مستعينا بخبرة الشركة الأميركية العملاقة «بيكتيل». وانتقل بعدها ليقود وزارة البترول والثروة المعدنية في البلد الأكبر في إنتاج النفط حول العالم، وتبوأ هذا المنصب الحيوي والحساس في فترة حرجة جدًا، كانت الأسواق فيها متقلبة، ومنظمة منتجي النفط المعروفة باسم «أوبك» متأثرة بالخلافات السياسية، مما هدد بقاء واستمرار المنظمة نفسها، وتمكن هشام ناظر بحكمة وسياسة وإدارة ناجحة من إعادة الهندسة التسعيرية وإعادة الثقل إلى المنظمة.
امتاز الرجل بمقام لافت ومميز وشخصية آسرة وحضور طاغٍ يجسد المعنى الحقيقي لكلمة «كاريزما».. كان قارئًا نهمًا، ومكتبته العامرة بالكتب تشهد له بذلك، وكان يحرص باستمرار على البحث وتدقيق المعلومة من مصادرها بشكل عميق ومركّز، وكوّن مع مرور الوقت رؤى فكرية جعلته يعكسها في كتابه الذي ألفه بعنوان: «القوة من النوع الثالث»، الذي كان أهم الكتب السياسية الفكرية الصادرة من العالم العربي في السنوات الأخيرة.
كان لصوته بصمة لا يمكن إغفالها، ولضحكته علامة لا يخطئها من تعوّد عليها. كان أخًا أكبر مثاليًا لأسرته، وزوجًا كريمًا، وأبًا مثاليًا لذرية كريمة. أحبه وأعجب به كل من عرفه عن قرب.. تأسرهم آراؤه، وثقافته وحضوره يفرضان نفسيهما على من عاشره. معيار النجاح لمسيرة الحياة الطويلة هو محطات النجاح المختلفة التي واجهها الشخص باقتدار، وهي مسألة نجح فيها الراحل بامتياز لافت. ورثت محبته وصداقته عن والدي الذي كان صديقًا له.. تفتحت عيناي على هذه العلاقة بينهما، ومع مرور الوقت توطدت العلاقة بيننا بشكل محترم وراقٍ.
اختتم حياته المهنية سفيرًا للسعودية لدى مصر، وأضاف إلى المنصب البعد واللمسة الشخصية له، فأقام مجلسًا ثقافيًا أسبوعيًا ساهم في طرح كثير من المواضيع المفيدة التي كان لها دور في توسيع المدارك والآفاق لإقامة جسور المعرفة وبناء الثقة بين النخب في البلدين. وبعد أن ترك هذا المنصب عاد لمواصلة علاقاته الإنسانية في داره العامرة بلقائه الأسبوعي، وقضى معظم الوقت في تواصل اجتماعي بنّاء مع عائلته وأصدقائه. في الفترة الأخيرة أنهكه المرض وقضى وقتًا طويلاً بين الأطباء حتى اختاره الله لجواره.
رحم الله هشام ناظر رحمة واسعة وأسكنه فسيح جناته، وألهم أهله وذويه ومحبيه الصبر والسلوان. كل من عرفه أحبه وكل من سمع عنه سيفتقده. رحمه الله.