زاهي حواس
عالم آثار مصري وخبير متخصص بها، له اكتشافات أثرية كثيرة. شغل منصب وزير دولة لشؤون الآثار. متحصل على دبلوم في علم المصريات من جامعة القاهرة. نال درجة الماجستير في علم المصريات والآثار السورية الفلسطينية عام 1983، والدكتوراه في علم المصريات عام 1987. يكتب عموداً أسبوعياً في «الشرق الأوسط» حول الآثار في المنطقة.
TT

الكشف عن مومياء حتشبسوت

بدأنا عام 2005 في العمل بمشروع طموح لدراسة المومياوات الملكية، وقمت بتشكيل فريق عمل مصري من مختلف التخصصات التي يمكن أن تساهم في معرفة أسرار مومياوات الأجداد؛ وتجيب عن الكثير من الأسئلة المتعلقة بحياتهم ونظام تغذيتهم؛ والأمراض التي عانوا منها؛ وأسباب وفاتهم. وكان من أحلامي كرئيس لفريق العمل أن نستغل ما قمنا بتحقيقه من خلال بناء معملين منفصلين لتحليل الحامض النووي؛ لكي يكونا ولأول مرة وقفًا على دراسة المومياوات فقط. وبالإضافة إلى معملي تحليل ودراسة الحامض النووي استطعنا عن طريق قناة الديسكفري أن نزود المشروع المصري لدراسة المومياوات بأول جهاز متقدم لإجراء المسح المقطعي للمومياوات؛ أو جهاز الأشعة المقطعية كما نسميه. وعن طريق هذا الجهاز استطعنا أن نقوم برحلات استكشافية داخل المومياوات؛ حيث يستطيع الجهاز عمل آلاف الصور من داخل وخارج المومياء لكل جزء بها؛ واستطعنا الكشف عن التمائم والحلي التي لا تزال إما تحت لفائف الكتان التي تغطي المومياوات، أو حتى بداخل المومياوات؛ مثل مومياء الملك رمسيس الثالث التي عثر داخل منطقة الصدر على تمائم لعين الأوجات المنوط بها حماية الجسد؛ إضافة إلى تمائم على شكل أبناء حورس الأربعة المنوط بها حماية وحراسة الجسد المتوفى.
مثل المشروع المصري لدراسة المومياوات مفاجأة للعلماء الأجانب، حيث كانوا هم وحدهم من يقومون بدراسة مومياوات الفراعنة وليس المصريين! وعندما بدأت نتائج المشروع في الظهور كسبنا احترام العالم كله. كان الحلم الأول لدينا هو معرفة أين مومياء الملكة حتشبسوت؟! هل لا تزال موجودة لدينا ضمن المومياوات المجهولة التي تم اكتشافها في وادي الملوك ولا يعرف أسماء أصحابها؟ وقمنا باختيار المومياوات التي تضع اليد اليسرى على الصدر، وهي الميزة التي تشير إلى أن المومياء تنتسب إلى البيت المالك؛ وأنها لملكة أو أميرة. كان الدخول إلى مقبرة الملكة حتشبسوت مغامرة محفوفة بالمخاطر لصعوبة المنحدرات والممرات داخل مقبرة الملكة حتشبسوت التي نعتقد أن مومياءها تم نقلها منها في الأزمنة الفرعونية. كذلك قمت بالنزول إلى خبيئة المومياوات بالدير البحري، حيث اكتشف به صندوق من الخشب يحتوي على كبد الملكة حتشبسوت وعلى الصندوق من الخارج أسماء الملكة حتشبسوت.
ومن أهم المومياوات التي درسناها مومياء لسيدة عثر عليها داخل المقبرة رقم 60؛ ومعها مومياء يقال إنها لمرضعة الملكة حتشبسوت. وتم نقل المومياوات إلى المتحف المصري بالقاهرة ليتم فحصها بجهاز الأشعة المقطعية؛ وكذلك لإجراء تحليل الحامض النووي؛ وكانت الخطوة التالية هي فحص المومياوات الخاصة بعائلة الملكة حتشبسوت مثل مومياء أبيها؛ ومومياء زوجها؛ ومومياء ابن زوجها. كانت المفاجئة السارة العثور على ضرس داخل صندوق الأحشاء الذي به كبد الملكة حتشبسوت؛ واستنتجنا أن الضرس لا بد أن يكون خاصًا بالملكة نفسها وإلا لماذا وضع مع الكبد؟ المثير أن هذا الضرس ينقصه أحد الجذور. لن أنسى تلك اللحظات التي تخيلت فيها أننا من الممكن أن نعثر على مومياء حتشبسوت؛ وأنها ستكون فاقدةً أحد ضروسها.. بل وحلمت أن يكون جذر الضرس لا يزال عالقًا في اللثة؟! وبدأنا في فحص المومياوات المرشحة لأن تكون واحدة منها للملكة حتشبسوت؛ والمفاجأة أن كل ما دار بمخيلتي حدث أمام عيني وأنا أتابع نتائج الفحص؛ فها هي مومياء الملكة حتشبسوت تعلن عن نفسها، وها هو مكان الضرس المخلوع من فكها ولا يزال الجذر عالقًا باللثة. أما عن مومياء الملكة فهي تلك المومياء التي كانت مجهولة الهوية ومدفونة بالمقبرة رقم 60 بوادي الملكات.. وتستمر المفاجآت.