د. عمرو الشوبكي
TT

اللون الرمادي في السياسة

استمع إلى المقالة

من الصعب عَدّ اللون الرمادي في السياسة لوناً مثل بقية الألوان؛ لأن دلالات «المساحات الرمادية» أو الأشخاص أصحاب المواقف الرمادية تجعل الأمور أكثر تعقيداً من النظر إليه على أنه مجرد لون مثل بقية الألوان، حتى لو كانت هناك توصيفات سياسية لبعض الألوان الأخرى مثل وصف سجل شخص إيجاباً بأنه «ناصع البياض» أو عَدّ اللون الأحمر مرادفاً للدماء.

والحقيقة أن مسألة اللون أو الموقف الرمادي يعدها البعضُ المساحةَ الضبابيةَ وغير الواضحة في مواقف الإنسان، وسيعدها في السياسة «شطارة»، وأن السياسي الحق هو القادر على أن يكون رمادياً غير واضح، ولا يعرف منافسوه خططه ومواقفه الحقيقية، ويضفي الغموض على تصرفاته، ووقت الأزمات والمواقف القاطعة يسعى أيضاً إلى أن يكون رمادياً حتى لا يغضب أحداً، متصوراً أن «الموقف الرمادي» سيرضي جميع الأطراف.

والحقيقة أن البعض يخلط بين الاعتدال والوسطية وبين المواقف الرمادية، فالأولى هي تعبير عن موقف واضح - «وليس لا موقف» - يعبر عنه الشخص أو السياسي باعتدال أو تشدد، وفي الحالتين كلتيهما نحن أمام موقف من قضية سياسية أو اقتصادية ينبغي فيها اتخاد قرار واضح، ومن المشروع أن يعبر عنه أحد بتشدد وثانٍ باعتدال وفق تركيبة كل شخص وتقديراته للموقف.

وهناك من يتصور أن المساحة الرمادية قد تساعد على نجاته من الأزمات أو نجاحه في الانتخابات؛ لأنها لا تعكس موقفاً قاطعاً، وتستطيع أن تؤثر في الجميع وتنال رضا أغلبهم، والواقع أن معظم التجارب السياسية العالمية والعربية تقول إن الأشخاص الرماديين قد ينالون ثقة بعض أو كثير من الناس «بعض الوقت»، ولكن عادة ما يُكْتَشَفون بسرعة.

أما في تجارب الانتخابات فعادة ما يختار الناس بين معتدلين ومتشددين، ولا يفضلون أصحاب المواقف الرمادية أو الذين تصوروا أنهم رماديون.

وقد تكون تجربة الانتخابات الرئاسية المصرية في 2012 ذات دلالة في هذا الموضوع، فقد تنافس فيها بشكل أساسي 5 مرشحين، والحقيقة أن اختيارات الناس كانت عكس «اللون الرمادي»؛ حيث انحاز أغلب الناخبين للون الواضح، وتراجع من رأوهم يعبّرون عن مواقف رمادية إلى المركزين الرابع والخامس.

فقد قدم مرشح «الإخوان» محمد مرسي نفسه بوصفه مرشحاً واضحاً ومتشدداً يقول نعم «أنا إخوان» ابن الجماعة والتنظيم من دون أي «لف أو دوران»، وحان وقت تطبيق «الإسلام» يقابله عبد المنعم أبو الفتوح الذي حل رابعاً ونال تأييد ليبراليين ويساريين وبعض الفنانين والأقباط ومعهم أيضاً سلفيون متشددون فبدت «الخلطة الرمادية» غير مريحة للكثيرين الذين اختاروا في معظمهم أن يصوتوا لأصحاب المواقف غير الرمادية.

أما عمرو موسى فهو رجل لا يمكن وصف مواقفه السابقة عن انتخابات الرئاسة بأنه رمادي بل كان صاحب مواقف واضحة وحضور في المجال العام والسياسي كبيرين، وكان المرشح الأوفر حظاً للفوز بانتخابات الرئاسة لكنه وقع أثناء حملته الانتخابية (مع أسباب أخرى) في فخ المواقف الرمادية فهو كان يقول إنه مع ثورة يناير (كانون الثاني) من دون أن يقنع أغلب أنصارها بذلك (في هذا الوقت)؛ لأنهم عدّوه أيضاً جزءاً من النظام القديم، وتراجع خطابة الإصلاحي أمام موقف انتخابي رمادي، يقابله أحمد شفيق الذي حل ثانياً وخسر بفارق ضئيل، وكان الرجل واضحاً في خطاب «غير رمادي»، فإذا اتهمه أحد وفق مفردات تلك المرحلة بأنه «فلول» وجزء من النظام السابق فتكون إجابته واضحة «وغير رمادية» نعم ولو كان، ولكنني سأواجه الفوضى والتسيب وجماعة «الإخوان»، وأحافظ على الدولة المدنية.

وكذلك يمكن اعتبار خطاب حمدين صباحي الذي حل ثالثاً في تلك الانتخابات واضحاً في اشتراكيته وناصريته فصوت له الناس بوصفه مرشحاً مدنياً له توجه غير رمادي فتقدم على المرشح الأوفر حظاً عمرو موسى الذي كان إدراك (Perception) الناس خطابه وأداءه أثناء الحملة الانتخابية أنه رمادي.

يقيناً هناك تجارب كثيرة في العالم ومنها عالمنا العربي اعتاد فيها الناس أن يختاروا «غير الرماديين»؛ فشعبية الرئيس التونسي عشية انتخابات الرئاسة التونسية في 2019 والتي جعلته يفوز بنسبة 76 بالمائة من الأصوات، ترجع في جانب رئيسي منها إلى أنه كان واضحاً وقاطعاً في مواجهه طبقة سياسية احترفت في معظمها المراوغة والمناورة والألوان الرمادية.

أما تجربة رجب طيب إردوغان في تركيا الممتدة منذ أكثر من 20 عاماً فتقول إنه رجل براغماتي وليس رمادياً؛ فقد كان لديه دائماً موقف مما يجري في عالمنا العربي والعالم، ومن التحولات التي شهدتها مصر على سبيل المثال، ودفعته «عمليته» إلى أن يتراجع عن بعض مواقفه ويعدلها وفق ما يراه في مصلحة بلاده.

سيبقى اللون الرمادي بالنسبة لكثيرين لوناً مريحاً ضمن «ألوان الحياة» فقد يفضله البعض عن اللون الأزرق أو الأحمر ولكن ليس في السياسة، وإن كل من يتصور أنه «لون رابح» فهو مخطئ خطأً كبيراً، فقد يربح لحظة أو لحظات لكنه سينكشف عادة بعد فترة قصيرة، والسياسي الناجح هو من يكون معتدلاً أو وسطياً أو غير دوغمائي في التعبير عن فكره ورؤيته ولكن ليس رمادياً باهتاً ليس له موقف واضح.