جمال الكشكي
رئيس تحرير مجلة «الأهرام العربي». عضو مجلس إدارة مؤسسة الأهرام. عضو مجلس أمناء الحوار الوطني. عضو لجنة تحكيم جائزة الصحافة العربية. عمل مذيعاً وقدم برامج في عدة قنوات تليفزيونية.
TT

سوريا... منعاً لانزلاق جديد

استمع إلى المقالة

لا تزال مناعة الدولة الوطنية السورية ضعيفة، انفجرت الأوضاع من جديد في شمال شرقي سوريا بين القبائل العربية، وما يسمى قوات سوريا الديمقراطية «قسد»، ويمتد الخطر شمالاً في إدلب وريف حلب الشمالي وريف اللاذقية، وبالتزامن أيضاً تشتعل الأحداث في درعا والسويداء بالجنوب السوري، وبهذا يتضح مثلث التأزيم في بلاد الشام.

ما الذي يحدث في سوريا؟ ولماذا الآن؟ ولمصلحة من العودة مرة أخرى بعد أن لاحت في الأفق آمال وطموحات بالاستقرار والسلام وإعادة الدولة السورية لمفهومها الوطني؟

في الحقيقة ثمة علامات استفهام عديدة، باتت تطرح نفسها بقوة في هذا التوقيت، فالنتائج على الأرض السورية لا تتوافق مع المقدمات التي جرت خلال الأشهر الماضية، سوريا استعادت عضويتها الكاملة بجامعة الدول العربية، أثناء القمة العربية التي عقدت بمدينة جدة السعودية في مايو (أيار) الماضي، وشهدنا مصالحة عربية سورية، وتم الاتفاق على مبدأ الخطوة خطوة، ورافق ذلك جولات وزيارات متبادلة على مستوى الدبلوماسية العربية، أفضت إلى توافق عربي - سوري من خلال لجنة الاتصال العربية التي عقدت في جدة وعمان والقاهرة، وتستعد لانعقادها المقبل في بغداد، فضلاً عن استقرار التمثيل الدبلوماسي بين دمشق وسائر العواصم العربية، الأمر الذي فتح شهية بعض دول العالم إلى استعادة علاقاتها الرسمية مع العاصمة دمشق.

هذه المعطيات كانت تشير إلى أن سوريا عائدة بقوة، وأن الجرح كاد يلتئم، وأن اللاجئين سيعودون إلى ديارهم، يتنفسون هواء الوطن وعذوبة الشام، لكن ها هي النتائج جاءت مغايرة، لم يرق الحال لطباخي الفوضى، وسرعان ما عاد التأزيم يطرق أبواب سوريا من جديد، وكأن هناك اتفاقاً غير معلن بعدم استقرار هذا البلد الذي يمثل مكانة جيوسياسية مهمة في قلب العالم العربي، فلو قرأنا ملامح أحداث هذه المرة سنتوقف بالطبع أمام أحداث الجنوب في درعا، تلك المدينة التي اندلعت منها الشرارة الأولى لمظاهرات 15 مارس (آذار) عام 2011، والآن تشهد المدينة نفسها المظاهرات ذاتها، ربما تختلف الأزمنة، لكن الخوف كل الخوف أن تكون هذه المشاهد استعادت استنساخاً لتقارير المختبرات التي قادت إلى الفوضى والتخريب، وأصابت سوريا بعاهة مستديمة.

أما إذا انتقلنا إلى الأزمة في الشمال الشرقي بين «قسد» والقبائل العربية، فتتسع دائرة الرؤية وتزداد التدخلات ومحاولات فرض النفوذ الخارجي، والسيطرة على الموارد من النفط والغاز والمنتجات الزراعية، ففي هذه المنطقة تظهر بصمات اللاعب الأميركي من خلال دعمه المتواصل لما يسمى قوات سوريا الديمقراطية، فجدول أعمال واشنطن يتضمن بنداً ثابتاً بعنوان «التأزيم وعدم الاستقرار في سوريا»، حفاظاً على البقاء الأميركي أطول فترة ممكنة، ومن ثم، فإن الوصفات الأميركية الجاهزة تنطلق من دورها في محاربة تنظيم داعش، برغم أنها تبذل جهداً كبيراً في صناعته، ونلمس ذلك جيداً عبر عدم إنهاء مشكلة مخيم «الهول» الذي يلد جيلاً جديداً من الدواعش يتمدد يوماً بعد الآخر، مثلما شاهدنا الأيام الماضية الهجمات الداعشية المتكررة على قوات الجيش السوري، التي راح ضحيتها عشرات من الجنود السوريين.

لم تبتعد كثيراً ملامح الأزمة في إدلب، انفجرت الأوضاع بصورة متلاحقة، فالجماعات الإرهابية القادمة من آسيا الوسطى التي تنتمي إلى القاعدة والنصرة تسابق الزمن في إشعال فتيل المواجهة مع الدولة السورية، هؤلاء يعرفون جيداً الرمزية التي تمثلها مدينة إدلب، كبوابة إلى العالم الخارجي، فليس خافياً على مر التاريخ أن الجسد السوري لن يستقر وإدلب تتألم.

اللافت هنا وسط هذه الصورة القاتمة، أن منسوب التفاؤل بات يتراجع، وصدى الأزمات العالمية أصبحت تنعكس في الداخل السوري، إنه صراع النفوذ والإرادات والمصالح، واشنطن لن تحقق الاستدارة الكاملة بالاتجاه شرقاً مهما يكن انشغالها. حلمها بالبقاء في الشرق الأوسط جزء من لعبة الأمم الكبرى، على الشاطئ الآخر من نهر الفرات تقف موسكو يقظة من أجل اتساع نفوذها والحفاظ على مصالحها، وتحقيق حلم القياصرة بالإقامة في المياه الدافئة بشرق المتوسط.

إذن، ما بين الصراع التاريخي الروسي - الأميركي، وأحلام الجماعات الإرهابية عابرة الحدود، تظل سوريا مسرحاً للتجارب، وجس النبض لقلب المنطقة، وهدفاً لاستئناف نسخة جديدة من ربيع الفوضى والتخريب والقتل بما يهدم الهندسة السياسية الجديدة التي توافقت عليها الدول العربية خلال الأشهر الماضية، وهنا علينا أن ندرك جيداً أبعاد ما يحدث في سوريا، ونتوقف أمام رسائله المباشرة وغير المباشرة، ربما تكون إشارته الحقيقية أن ما يسمى بالربيع العربي لا يزال جمراً تحت الرماد، ربما هو قابل للاشتعال، لكن في انتظار الفرصة المواتية، حتى لو كانت مصطنعة، ومن ثم، علينا أن نستبق الأحداث، ونتعلم من دروس الماضي، ونتحرك بصورة جماعية وسريعة للحفاظ على الأمن القومي العربي، ولمنع انزلاق سوريا مرة أخرى نحو حرائق، ربما تتطاير شظاياها إلى سائر الجسد العربي.