أخيراً انقشعت غمامة كارثة بيئية كانت تلوح بالأفق كان سيسببها احتمال تسرب النفط من الناقلة «صافر»، حيث جرى بنجاح نقل حمولتها في عملية أشرفت الأمم المتحدة على تنفيذها. يشكل هذا الإنجاز الباهر مثالاً رائعاً لما يمكن تحقيقه من خلال التعاون الدولي والتواصل الدبلوماسي. وإنني لأشعر هنا بالفخر بالدوْر الرائد للمملكة المتحدة في دعم العملية وتسريع إجراءاتها، وهو ما يؤكد مرّةً أخرى أهمية وإمكانات الإشراف البيئي العالمي، وفاعلية العمل الجماعي.
لقد كانت ناقلة النفط العتيقة «صافر»، ذات الـ47 عاماً، والراسيةً قُبالة ميناء الحُديدة اليمني، بمثابة قنبلة موقوتة، إذ إنها كانت محملة بأكثر من مليون برميل من النفط الخام. وفي حال تسربه كان سيعادل أربعة أضعاف كمية النفط التي قد يتذكر البعض حادثة تسرّبه من الناقلة «إكسون فالديز» عام 1989 - والتي كانت مصدر أكبر تسرب نفطي عالمي حتى الآن - وربما كانت ستكلف عملية تنظيفه ما يصل إلى 20 مليار دولار.
كما كان من شأن تهالك حالة الناقلة «صافر» أن يدمر النظام البيئي في البحر الأحمر، ويعرقل حركة الشحن الدولي التي يتوقف عليها استيراد المواد الغذائية الحيوية إلى اليمن، ويهدد سبل عيش ملايين اليمنيين. وهكذا، وبوجود 21 مليوناً من المحتاجين للمساعدة أصلاً، فإنَّ تلك مأساة لا يمكن لليمن تحمل تبعاتها. إلا أن النهاية الموفّقة لعملية تفريغ النفط من الناقلة «صافر» تبعث على التفاؤل في قدرة العالم على الاستجابة بفاعلية لأكثر الأزمات البيئية إلحاحاً.
والواقع أن نقل النفط من «صافر» كان إحدى أصعب العمليات التي اضطلعت بها الأمم المتحدة على الإطلاق، وأكثرها تعقيداً وحاجة للدِّقَّة. فقبل الشروع في العمل، تطلّب الأمر التعاقد مع فريق إنقاذ متمرّس ورائد عالمياً، وصياغة حزمة تأمين لم يسبق لها مثيل، وشراء ناقلة عملاقة بديلة بقيمة 60 مليون دولار. وفقط بعد تحييد الخطر الكبير لانفجار السفينة التي هي في حالة خطرة أصلاً، أصبح بإمكان فريق الإنقاذ البدء بسحب النفط الخام من صهاريج التخزين في «صافر» وضخّه للسفينة البديلة. ورغم العمل المتبقّي للتخلّص من الناقلة «صافر» في حوض تدوير صديق للبيئة، فإنني أحيي الخبراء من الشركتين «سميت» و«بوسكاليس» لتحقيقهما هذا الإنجاز التاريخي. ومع ذلك، وفي حين أن نقل النفط يعدّ مهمّة بالغة الأهمية، فإن من الضروري إدراك وجود نقص قدره 22 مليون دولار في تمويل العملية بكاملها. ولسوف نواصل العمل مع شركائنا لتأمين التمويل النهائي المطلوب للعناصر المتبقية من هذه العملية.
تكمن في صميم هذا الإنجاز سنوات طويلة من التعاون مع الأمم المتحدة، والأطراف اليمنية، والدول المجاورة في المنطقة، والمجتمع الدولي، والقطاع الخاص. وكما سبق وقلت، كانت هذه المسألة على رأس أولويات المملكة المتحدة التي قامت بدور محوري في تنسيق الجهود الدولية لحشد التمويل العاجل، والخبرات الفنية والدعم الدبلوماسي.
وإلى جانب دعمنا المباشر للعملية بأكثر من 10 ملايين دولار، اضطلعت المملكة المتحدة بقيادة دبلوماسية بالغة الأهمية بشأن هذا الموضوع في مجلس الأمن الدولي، وتواصلت على نطاق واسع مع مجتمع المانحين المحتملين لحشد المزيد من التمويل. وقد بدأت المملكة المتحدة نشاطها في هذه القضية حين طلبت إجراء بحث حول التداعيات المحتملة لتسرب النفط، ثم تخصيص جلسة لمجلس الأمن الدولي في صيف عام 2020 لتنمية الوعي بالخطر الذي تشكله الناقلة «صافر»، وإبراز مدى جسامته على المستوى العالمي. كما استضفنا في السنة الحالية مؤتمر إعلان التبرعات بالاشتراك مع الحكومة الهولندية، وجلسة لمجلس الأمن حفزت مشاركة مجتمع المانحين الدولي في دعم العملية، وأزالت العقبات أمام بدء عملية الإنقاذ في الوقت المناسب. كان هناك العديد من الانتكاسات على طول الدرب، بما في ذلك التكاليف التي ارتفعت بشكل كبير نتيجةً للغزو الروسي لأوكرانيا. ومع ذلك، لا يسعنا إلا أن نرحب بالتقدم الهائل الذي تحقق أخيراً في الأسبوع الماضي. وهذه العملية تؤكد التزام المملكة المتحدة استخدامَ نفوذها الدولي لإيجاد حلول إيجابية ومستدامة في أنحاء العالم.
إن ما تحقق من حل ناجح لأزمة «صافر» يحمل دلالات أوسع من هذه القضية بعينها. ففي خضم الصراع الحالي في اليمن، تسلط هذه اللحظة الضوء على حقيقة أن الأطراف المختلفة على جانبيّ خطوط المواجهة يمكنها العمل معاً لتحقيق مخرجات تعود بالفائدة على اليمن بأسره. وفي الوقت الذي نتطلع فيه إلى مؤتمر الأطراف بشأن العمل المناخي «كوب 28» الذي تستضيفه أبو ظبي في وقت لاحق من هذا العام، فإننا نشجع المشاركين على اغتنام إمكانات الجهود متعددة الأطراف لمواجهة التهديدات البيئية الملحة، حتى في المناطق التي يسودها الصراع وعدم الاستقرار.وبينما يتخبَّط اليمن والعالم في أزمات متعددة الأشكال، تأتي أزمة الناقلة «صافر» لتكون بمثابة منارة للأمل، إذ أظهرت أنه حتى في غمرة الصراعات المعقدة، يمكننا أن نتّحد لحماية كوكبنا المشترك، وتأمين مستقبل مستدام للأجيال المقبل.
* المتحدثة باسم الحكومة البريطانية
في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا
