من أجل ولاية رئاسية ثانية، تحدى الرئيس جو بايدن وقد رأى أن عقوده الثمانية لا تشكِّل حاجزاً أمام قطْع الطريق على حلم دونالد ترمب بالعودة، وخوض الغمار دورة ثانية في البيت الأبيض، الدولة العظمى الصين مستفزاً إياها من خلال تعزيز التجارة مع تايوان غير هيّاب حساسية الصين الشعبية من بقاء الصين الأخرى (تايوان) منفصلة عنها. ولقد مارس الاستفزاز من خلال زيارات لمسؤولين أميركيين من بينهم رئيسة مجلس النواب نانسي بيلوسي الصعبة المراس التي لا تضبط مفردات كلامها عندما تتحدى. هذا عدا جوانب ذات طابع حربي، بارد حتى إشعار آخر، والذي لم يصل إلى درجة اللعب الأكثر إلهاباً بالنار التي تحرق المتحرش الأميركي. واللافت أنه قبل إيفاد بيلوسي وبطائرة عسكرية خاصة (الثلاثاء 2. 8. 2022) ببضعة أيام كان بايدن أجرى (الخميس 28. 7. 2022) محادثات هاتفية معمقة مع الرئيس الصيني شي جينبينغ المتطلع مثله إلى ولاية رئاسية تتوّجه الأطول ترؤساً منذ عقود، خصوصاً أنه من حيث السن ما زال في أواخر ستيناته. ولقد استمرت محادثات بايدن مع الزعيم الصيني ساعتيْن حذَّر خلالها نظيره الأميركي بعبارة «إن من يلعبون بالنار سيحرقون أنفسهم...».
ثم أتبع بايدن التحرش بالصين بوقفة متدرجة القوة إلى جانب أوكرانيا ضد روسيا، ورأى في ضم «الفرع» أوكرانيا إلى الأصل (روسيا) والانقضاض بفائض القوة عليها.
اتسع مدى الاستفزاز، وفي حساب مستشاري بايدن أن رفْع نسبة التحدي لنظيره الروسي بعدما لاحظ أن الصين تميل إلى التبريد، وليس رمي حطب في النار الروسية - الأوكرانية، من شأنه تعزيز ضرورة التوافق الأميركي على أن يكون الرئيس لدورة ثانية، ولتعزيز ما يراه من هذا التوجه عبأ دول الأطلسي إلى درجة باتت كل دولة - مع فارق النسبة - ترى ما يراه الرئيس بايدن، وخلاصته استنزاف روسيا والتركيز على إحراجها، وهذا يكون بتعزيز الشأن الأوكراني عسكرياً ومالياً، وعلى أساس أن في صمود أوكرانيا ما يحقق غرض الاستنزاف، وإظهار مشروع بوتين بأنه غير ذي فرصة للإنجاز، وعلى هذا الأساس يبدأ التنظير بأن بايدن مؤهل لدورة رئاسية ثانية، وذلك لتعزيز الوضع الذي آلت إليه المواجهة الروسية – الأوكرانية، وبحيث إن نتائجها انتهت عكس ما كان ينبغي الرئيس بوتين منها عندما بدأها، وما كان يخطط له كبير الحلف الأطلسي جو بايدن عندما اعتبر أن حدود أميركا ودول الحلف هي في أوكرانيا، التي نال منها بوتين من خلال التدمير والتشريد لمئات الألوف من سكان بعض مدنها وبلداتها، إلا أن النظام الذي يترأسه فولوديمير زيلينسكي ما زال قائماً يحيطه الحلف الأطلسي بالاهتمام السياسي والعسكري والمالي، فضلاً عن أن أكثرية دول العالم خارج المنظومة الأطلسية، هي بين رافضة مبدأ التعرض من جانب دولة لسيادة دول أُخرى جارة أو حتى بعيدة على نحو ما هي حال الدولة السورية المثخنة بظلال فقدان السيادة، بسبب الثقل الروسي والتركي على أراضيها وعلى قرارها.
قبل حوالي سنتيْن من الحرب في أوكرانيا، وتحديداً يوم 26 يونيو (حزيران) 2021، كان الرئيسان بايدن وبوتين يعقدان في جنيف في فيلّا أعدتها لهما الحكومة السويسرية وتطل على البحيرة التي تبعث السكينة في النفوس، وبالذات في زمن الأزمات العاصفة. كانت أجواء اللقاء طيبة. كلاهما في أشد الحرص على سنوات رئاسية مستقرة. وكان أقسى تأزم بينهما انحصر على خلفية هجمات إلكترونية، ومجرد مشاعر قلق من الجانبيْن في موضوع التسلح الذي أجرياه خلال محادثات، وأظهرت صورة اللقاء بينهما عدا المصافحة الودودة مدى طمأنينة بايدن إلى أن ولايته الرئاسية الأُولى ستكون خالية من التوتر مع روسيا، وكان الشعور نفسه لدى بوتين. ومنذ ذلك اللقاء كان كل منهما، ومن دون الإفصاح، يخطط لولاية رئاسية تالية. وبالنسبة إلى بوتين بالذات كان يهمه كثيراً تعزيز اقتصاد الدولة الروسية وميزانيتها التي أحدثت العقوبات خللاً كبيراً فيها، نتيجة الحظْر النفطي والعقوبات الأميركية والأوروبية على شركات ومصارف. كما يهمه أكثر تعزيز دور لها في المياه الدافئة موزَّع بين السودان والجزائر وسوريا، وسعي من أجل موطئ قِطَع أسطول في شواطئ المتوسط.ما تمناه كل من الرئيسيْن بايدن وبوتين ربما لن ينالاه على النحو المأمول. فالشعب الأميركي لا يحبذ ما توحي به بعض التصريحات والدراسات، بأن يتم اقتطاع لمليارات الدولارات من ميزانية بلده ثمن إنجاز حربي للرئيس يجدد بمقتضاه الرئاسة، وهو إنجاز تمثَّل بثنايا تصريحات يدلي بها وزير الخارجية أنتوني بلينكن، وتتضمن عبارات من نوع الرغبة العارمة بـ«إخضاع روسيا»، وهي مفردات تعيد إلى الأذهان ما كان يردده جنرالات ودبلوماسيو وكونغرسيو العهد البوشي الثاني، بأن العقاب للعراق وصدَّام حسين هو من أهداف الحرب؛ استكمالاً لهدف حرب العهد البوشي الأول.
لكن في نهاية المطاف، لن يتحقق الغرض الأميركي – الأطلسي ولا الإصرار عناداً الروسي. وفي الحالة الظلماء لكل من الطرفيْن سيجدان عن ضرورة أو اقتناع، لا فرق، أن الإصغاء إلى دعاة التهدئة والتسوية المحقة والموضوعية خير علاج لما بدأه الرئيس بوتين حرباً بالغة الشراسة، وأكمله الرئيس بايدن متسلحاً بخشية من احتمال يثير القلق في حال لم يتم ردع روسيا وإنقاذ أوكرانيا من أن يتمدد الاجتياح الروسي، وعلى نحو ما كانت عليه الحال في الزمن الروسي الستاليني. وما نعنيه بالتهدئة والتسوية الموضوعية هي ملامح تلك الزيارة المفاجئة التي قام بها وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان يوم الأحد 26 فبراير (شباط) 2023 إلى كييف، مازجاً بين المساعدة الإنسانية والتمني في حل سلمي لحرب دخلت سنتها الثانية من دون أن تتوقف نيرانها بين الدولتيْن الجارتيْن، وأما المساعدة فإنها مليونية (400 مليون دولار) مساندة من جانب المملكة العربية السعودية للتخفيف من تداعيات الحرب على الشعب الأوكراني. ومن حيث الدور السعودي الذي يوجه به خادم الحرميْن الشريفيْن الملك سلمان بن عبد العزيز، ويتجسد في مبادرات النجدة في ساعات الشدة التي باتت برنامج إغاثة يحمل اسم الملك، فإن النجدة هي لشعب دولة تعرضت للحرب عليها. لكن ثمة أهمية نوعية للمبادرة السعودية، وهي أن العلاقة كثيرة التميز بين السعودية وروسيا، كما بين السعودية وأميركا، وكذلك بين السعودية والصين، وبين السعودية ودول حلف الأطلسي، أي بين الدول المتشابكة بشكل أو آخر في معضلة الحرب الروسية - الأوكرانية. وهذه العلاقة التي ثبَّت فرادتها لجهة التوازن والبعد الاستراتيجي والتقدير المتبادل من الجانبيْن وتقدير نوعي من الأمم المتحدة، وبما يحقق المصالح المشتركة، وعلى قاعدة من الاستقلالية واحترام الشأن، ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، قادرة على تصفير متدرج للثغرات التي جعلت الأزمة تتطور إلى خلاف فإلى مواجهات. لذا لا يستبعد المرء أن يتولى - مبادراً أو تجاوباً مع طلب أممي منه - طرف عربي، وهو هنا السعودية، القيام بمسعى يبدأ بمحاولة إطفاء نار الحرب، والتقريب بين وجهات النظر الروسية – الأوكرانية، ومعها أطراف الأزمة التي بدأت بفعل ورقة حربية المفردات تنفع في تجديد رئاسة وأبدية رئاسة... رئاسة بايدن لدورة ثانية وأبدية رئاسة بوتين، والتحق بها في شبه التزام الأطلسي والصيني، كل لغرض في النفس. وفي حال حدث ذلك المسعى فإنه سيشكل إطفاء نار حريق حرب عالمية ثالثة، كما ولا بد سينعكس بالتالي على تداعيات مستجدة للصراع الإرعابي الفلسطيني - الإسرائيلي.والاستحقاقات الرئاسية العاصفة بقية كلام. والله المعين.
11:8 دقيقه
TT
استحقاقات رئاسية... ومسعى سعودي مأمول ومقبول
المزيد من مقالات الرأي
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة
