يبدو أن هناك التزاماً صادقاً في جميع أنحاء الولايات المتحدة هذه الأيام بمحاولة الاستماع إلى بعضنا البعض رغم الانقسامات. هي محاولات لمناقشة التفاصيل والفروق البسيطة بدلاً من التظاهر بأن كل شيء ينحصر في اللونين الأبيض والأسود، كما كان الحال في السابق. هي محاولة لمعالجة التمييز دون الانتقال إلى الروتين الجامد لثقافة الإقصاء. ثمة إجماع جديد على أنه رغم أهمية العدالة الاجتماعية، فقد تجاوز التزامنا الدفاعي المنطق خلال السنوات الماضية.
إذا كان الالتزام والإجماع المشاران إليهما صادقين، فقد يفكر المسؤولون بجامعة بوردو في استكمال ما تبقى من عام 2022 باعتماد نص يركز على الاعتراف بالخطأ الجسيم. ربما كان لديهم هذا المنطق بالفعل، لكن لا يمكن للمرء أن يتيقن من ذلك في هذه المرحلة المبكرة، خاصة هذه الأيام.
قبل أسبوعين، ارتكب مستشار جامعة شمال غربي بوردو، توماس كيون، ما بدا خطأ جسيماً. فخلال حفل تخرج، ذكر المتحدث الذي سبقه أنه أحياناً يستخدم لغة ابتدعها بنفسه في حديثه مع عائلته. وعند وصوله إلى المنصة، التقط كيون هذه الملاحظة ونطق بعبارة بدت وكأنه يستدعي بضع كلمات من لغة الماندرين الصينية. ثم ضحك قائلاً: «هذه نسختي الآسيوية».
ما فعله كيون يذكرنا بشخصية «ميكي روني» اليابانية في فيلم «الإفطار في تيفاني» الذي لا يمكن مشاهدته اليوم بأي حال من الأحوال. يذكرني الموقف أيضاً بحلقة من برنامج «ميلتون بيرل» الذي كان يعرض على شاشة التلفزيون في عام 1949، حيث ارتدى بيرل زياً سخيفاً ليبدو «صينياً»، وشرع في الغناء بلكنة بلهاء مع كي لوك، وهو ممثل صيني شهير في ذلك العصر، الذي اضطر إلى الوقوف بجانبه متظاهراً بالاستمتاع بأداء الأغنية.
لقد تجاوزنا كل هذا اليوم؛ إذ لم يعد صيني يرى آخرين يقلدونه بصورة فظة، حتى وإن كان من باب المزاح. لذلك فقد أخطأ كيون عندما اعتقد أن مزاحاً من هذا النوع في عام 2022 سيكون مضحكاً. ربما كان يظن أن المضحك هو أنه، كرجل أبيض، يتحدث لغة من الواضح أنها ليست لغته الأصلية، لكن ما فاته هو أن تقليده بدا كما لو أنه يسخر من مظهر الناس وصوتهم عند التحدث باللغة الصينية. عندما انتشر مقطع فيديو لهذه الحلقة عبر الإنترنت، ترددت الدعوات في الحال بعقاب كيون. ورأى الكثيرون الحادثة باعتبارها مشهداً لرجل أبيض مسن يستحق الفصل الفوري من العمل لعدم التزامه بقانون مكافحة العنصرية.
سرعان ما نشر كيون اعتذاراً جاء فيه: «نحن جميعاً بشر. لقد ارتكبت خطأ، وأؤكد لكم أنني لم أتعمد الإهانة، وأن تعليقاتي لا تعكس قيمي الشخصية أو المؤسسية». وقبل مجلس أمناء «جامعة بوردو» الاعتذار.
ولكن هل هذه نهاية القصة؟ لا ليست النهاية لأن ردود الفعل تباينت تجاه نفس الحادثة. فها هو شيريلين إيفيل، الرئيس السابق لصندوق «الجمعية الوطنية للنهوض بالملونين» في الولايات المتحدة، يرى الاعتذار غير كاف قائلاً: «هل الاعتذار كاف؟ لقد ارتكب كيون خطيئة لا تغتفر». ولذلك فإن مجلس جامعة «شمال غربي بوردو» والرابطة الأميركية لأساتذة الجامعات يسعيان إلى إقالة كيون، ناهيك عن الدعوات التي انتشرت على وسائل التواصل الاجتماعي التي تدعو إلى إقالته رغم الاعتذار.
الآن على كيون أن يدرك أن الأزمة لا تتعلق بنيته، وذلك ببساطة لأن تعليقاً من هذا النوع هذه الأيام يمكن أن يتسبب في ضيق للمستمع أو المتفرج. قد يتأذى شخص آسيوي بسهولة وقد يستاء بسبب بضع كلمات من رجل أبيض، خاصة إذا كان يشغل منصباً رسمياً تفوه بكلمات حاول فيها تقليد اللغة الصينية.
القضية هنا تتعلق بدرجة رد الفعل. فاستناداً إلى نوع الردود التي شهدناها، خاصة منذ ربيع عام 2020، من المتوقع أن يستسلم مجلس جامعة بوردو لضغوط المعارضة والرأي العام المتضرر من تعليقه، وأن يصدر قراراً بإقالة كيون بعد عطلة أعياد الميلاد.
سيكون ذلك خطأ إن حدث بفكر، وإن لم يحدث فستكون لفتة من الجامعة، لا لصالح العنصرية، لكن العقل، وستكون عطلة العام الجديد بمثابة هدنة أو عطلة لخطابنا العام.
لا أنكر أن نكتة كيون كانت عنصرية، وكنت سأمتعض لو كنت ضمن الحضور. ومع ذلك، إلى أي مدى كانت درجة العنصرية في موقف كهذا؟ ألم نعد قادرين على التمييز بين عبارة عرضية، وتعمد توجيه رسالة عنصرية (التي رأينا الكثير منها في السنوات القليلة الماضية)؟ هل صحيح أنه يتعين علينا التعامل مع العنصرية كنوع من السيانيد، الذي تكفي قطرة منه في كوب ماء لعمل جرعة قاتلة؟
في الآونة الأخيرة، بدأ يسود اعتقاد بأنه من المقبول استغلال نكتة مبتذلة لإصدار حكم على إنسان ومجمل حياته، ذلك على الرغم من أن هذا لم يكن عادياً حتى في العصور الوسطى. فهذا النهج الآن يجري استخدامه بصورة متطرفة وعدائية بشكل مبالغ فيه.
قد يعتقد البعض أنه عندما تكون النكتة عنصرية، فإن كل الرهانات تنهار، وأن جوهر هذا الشخص قد بات واضحاً للعيان. ويعني هذا أن التصدي للون الأبيض يجب أن يشغل كل اهتمامنا، ويجب أن يكون مقياسنا لتحديد طبيعة الأخلاق بشكل عام.
إذا كان لكيون سجل، وإن كان صغيراً، من الجرائم العنصرية، فمن المعقول التعامل مع هذا الموقف باعتباره الحلقة الأخيرة، أو القشة التي قصمت ظهر البعير. وإذا كان غير كفء كمستشار، فربما يكون هناك سبب للتعامل مع هذه الحادثة على أنها القشة الأخيرة أيضاً. ولكن إذا كان يقوم بعمله بشكل جيد، وأنا أجزم بذلك، وأنه بالفعل لم يحصل على نسخة من التعليمات بما هو غير مسموح به الآن مقابل ما كان مسموحاً به في الماضي، حينها يجب السماح له بالاستمرار في وظيفته.
أتمنى أن يقف «مجلس جامعة بوردو» إلى جانب كيون ويتركه يواصل عمله، ويكفيه أن زلته ستبقى على الإنترنت إلى الأبد. يتمنى المرء أن نكتفي بأن يفهم كيون لماذا كانت «نكتته» مريرة ومؤذية. فإذا استمرت حياته المهنية وجرى التعامل معه من قبل زملائه كمن ارتكب خطأ واعتذر عنه وبات مسموحاً له بمواصلة عمله، فسيكون ذلك دليلاً على أن عصر الإفراط في العقاب قد ولى.
سيستمر السخط بشأن نكتة كيون، بما في ذلك من الأشخاص الملونين وأنصارهم الذين سيرون بقاءه في وظيفته على أنه أمر يتعارض مع مفهومهم للعدالة الاجتماعية. ولكن من بين الأشخاص المسؤولين عن عمله، سيكون هناك بالتأكيد أولئك الذين يمكنهم أن يروا أنه لا ينبغي إحالته للتقاعد بسبب نكتة غبية فقط لأنها كانت عنصرية.
قد نقرأ غداً تغريدة تقول: «لماذا لا يزال هذا الرجل في عمله؟». أتساءل ما إذا كنا قد وصلنا إلى نقطة نرى فيها أننا يجب أن نعيش في مجتمع ناضج لا يدمر وظائف الناس بسبب زلة لسان.
TT
هاجس اللون لدى أميركا الديمقراطية... يا للهول!
المزيد من مقالات الرأي
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة
