من بين أبسط التعريفات الرائجة عن السياسة الخارجية أنها «التعبير عن أولويات الدولة على الساحة الدولية»، أو هي «الطريقة التي تعبّر بها الدول عن مصالحها تجاه الجهات الأجنبية»، ولقد ظلت السياسة الخارجية امتداداً للسياسات الداخلية وتلبية لمتطلباتها لوقت طويل، قبل أن يطرأ عامل جديد فرض على ممارستها الكثير من القيود.
لم يكن هذا العامل سوى الإعلام المرئي بتعبيره اللحظي. وقد استقرت الأكاديميات ومراكز التفكير على تسمية هذا العهد «تأثير سي إن إن»، بمعنى أن التطورات التكنولوجية والاتصالية، التي منحت هذه القناة الأميركية الفرصة لكي تنقل العمليات العسكرية والمؤتمرات الصحافية وتصريحات القادة لحظة حدوثها تماماً، دشنت عصراً جديداً، وهو عصر عزّز قدرات وسائل الإعلام، وعظّم دورها في صنع الصورة الذهنية للأشخاص والدول والأحداث، وبالتالي فقد زاد الضغوط على القادة والدبلوماسيين.
فلو تخيلنا مثلاً أن قناة تلفزيونية استطاعت أن تنقل على الهواء وقائع الغزو والحروب والمذابح التي جرت عبر التاريخ، لتغيرت بالتأكيد السياسات التي اتخذتها الدول إزاء تلك الوقائع، خصوصاً أن هذا النقل المباشر سيكون له تأثير كبير في الرأي العام، وسيتبلور هذا التغيير في صورة ضغوط على القادة والدبلوماسيين.
وفي وقائع مثل التمرد الطلابي في ميدان «تيان آن مين»، أو قصف مدرسة ابتدائية في مصر بواسطة الطائرات الإسرائيلية غداة حرب 1967، أو هجوم الطائرات الفانتوم على السكان المحليين خلال حرب فيتنام... كانت الصور اللاحقة للحدث عامل تأثير في السياسات الخارجية لكثير من البلدان.
أما ما سُمي «تأثير سي إن إن»، فيختص بمنحنى السياسات الذي قادت إليه عمليات البث على الهواء، وهو الأمر الذي ربما تجدد لاحقاً مع ما قيل إنه «تأثير الجزيرة»، حين تم الربط بين البث المباشر لوقائع الانتفاضات والمصادمات في الشوارع العربية، وما يقرره القادة أو يفعله الدبلوماسيون.
يشتكى القادة دائماً، والدبلوماسيون في أغلب الأحيان، من أنهم لم يعودوا قادرين على العمل بعيداً عن ضغوط الشارع، وأن قدرتهم على اتخاذ قرارات عقلانية قد تتقلص تحت ضغط الرأي العام المتصاعد في كثير من الأحداث.
وسيكون هذا عنواناً للعهد الإعلامي الذي نعيش فيه راهناً، حيث يحفل الوسط الاتصالي العالمي بتأثير جديد؛ أي «تأثير السوشيال ميديا»، حيث يبدو أن تلك الوسائط الجديدة لديها القدرة في الكثير من الأزمات على أن تؤدي دوراً حاسماً في مسارها.
لطالما امتلكت التكنولوجيا القدرة على إحداث ثورات في الطرق التي تتفاعل بها الدول والشعوب، لكن تلك القدرة ظلت غالباً بمنأى عن حسم النتائج، وإن كانت قادرة على وضع «أجندة الأولويات» أو تغير تراتبية عناصرها.
في تلك التكنولوجيا الجديدة التي أنتجت عالم «السوشيال ميديا»، وفي تزاوجها مع الصعود القياسي لعدد المتصلين بـ«الإنترنت»، وفي قابليتها الكبيرة للاختراق، تزداد قدرة الرأي العام على التأثير في صانعي السياسات، وفرض القيود عليهم في تسيير السياسة الخارجية.
وعندما تضطرب العلاقات الثنائية لبلدين مثل الجزائر والمغرب بسبب تناقضات موضوعية واختلاف في تشخيص المصالح، ستظهر القوة الهائلة للمنظومة الإعلامية في تعميق هذا الاضطراب، والوصول به إلى حد القطيعة، وزرع المرارات في نفوس أبناء الشعبين.
ستؤدي وسائل الإعلام، سواءً كانت «تقليدية» أو «جديدة»، دوراً لافتاً في تأجيج الأزمة، وسيتبادل دورها التأثير مع المنحى الذي يتخذه القادة والدبلوماسيون لمعالجتها أو إدامتها أو تصعيدها، وسيكون هذا التأثير جوهرياً.
وعندما تكون العلاقات الثنائية تاريخية وعميقة وقابلة للتحسن المستمر مثلما هو الحال بين مصر والكويت، وتنفلت «السوشيال ميديا» من عقالها، وتسعى بعض الممارسات الطائشة أو «المنهجية» عبرها للإساءة إلى العلاقة بين الشعبين الشقيقين، فإن الدبلوماسية ترتبك، وتتحفظ، وتعمل تحت ضغوط كبيرة، مما قد يحد من قدرتها على فعل الصواب والممكن، حرصاً على عدم خسارة صورتها لدى الرأي العام.
لا يمكن استبعاد حقيقة قيام بعض النخب السياسية في كثير من الدول باستخدام أدوات الإعلام «الجديد» في إرساء أجندة أولويات زائفة بغرض صرف الأنظار عن إخفاقات جوهرية، كما هو الحال في المنازلات «السوشيالية» بين لبنانيين وسوريين. صحيح أن تلك اللعبة قديمة، وقد تم تطويرها استناداً إلى ميراث ضخم متوافر من عهد الإعلام «التقليدي»، ومع ذلك، فإن هذه السياسة المُغرضة لا تنفي قدرة الوسائط الجديدة على التأثير في مسارات السياسة الخارجية والعلاقات بين الشعوب.
تنطوي وسائط «السوشيال ميديا» على مزايا كبيرة تُمكّنها من تأدية أدوار فارقة في تعزيز التواصل والتفاهم بين الشعوب، لكنها أظهرت في المقابل قابلية كبيرة لتأجيج الصراعات، وتعميق النزاعات، والتأثير في الدبلوماسية، وتقييد قدرتها على احتواء الخلافات السياسية ومنع تفاقمها.
TT
كيف تُزرع المرارة بين شعبين؟
المزيد من مقالات الرأي
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة
