طارق الشناوي
ناقد سينمائي، وكاتب صحافي، وأستاذ مادة النقد بكلية الإعلام في جامعة القاهرة. أصدر نحو 30 كتاباً في السينما والغناء، ورأس وشارك في لجان تحكيم العديد من المهرجانات السينمائية الدولية. حصل على العديد من التكريمات، وقدم أكثر من برنامج في الفضائيات.
TT

ألزهايمر «الشريف» كشف كذبنا!!

بعد رحيل فاتن، أو تحديدا بعد أقل من ساعة من تناقل الخبر، تلقى طارق عمر الشريف مكالمة من الوكالة الفرنسية فأكد لها صحة الخبر، ولكنه رفض أن يضيف المزيد. كانت المواقع الإخبارية والعديد من الفضائيات تعيش في حالة تخبط، بعضها يؤكد خبر الوفاة، والأخرى تكذبه، والكل يدعي أنه فقط العالم ببواطن الأمور. ناقد وصحافي كبير يكذب، وفنانة ارتبطت بها في أيامها الأخيرة تقول إنها اتصلت بها قبل دقائق والخبر غير صحيح، وننسى أننا أصحاب تلك المقولة: «من قال لا أعلم فقد أفتى».
لا أحد يقول لا أعلم، وفي العادة يصر على ممارسة الفتوى، تابعوا ما حدث بعد تأكيد خبر الرحيل. وجدوا أن «المانشيت» ينبغي أن يتوجه ناحية عمر الشريف الذي لم يوجد في الجنازة، قرروا البحث عنه تليفونيا، لم يتمكنوا من الوصول إليه، وعلى الفور اشتعلت بداخلهم الرغبة في الحصول على تصريح، والغريب أن لا أحد قال إنه لم يتمكن من الوصول إليه، الكل تسابق على ذكر مشاعر عمر أو ما تصور أنها مشاعره، تناقلت تقريبا العديد من المواقع الصحافية الشهيرة تصريحات عمر باعتبارها سبقا حصريا لها، خصها بها عمر، وكتبوا على لسانه وبنفس الصياغة تقريبا: فاتن حمامة خسارة فادحة في الوطن العربي على المستويين الفني والاجتماعي، فهي قيمة فنية وإنسانية نادرة، كنت أريد أن أطمئن على صحتها ولكنها إرادة الله. وكان السؤال الثاني الذي لم يجب عنه أيضا عمر الشريف وأجابوا بدلا منه وعلى لسانه، هو: لماذا لم يحضر للعزاء وحضور الجنازة الشعبية؟ الإجابة سابقة التجهيز: كانت صدمة الوفاة أكبر من قدرتي على التفكير وإمكانياتي الصحية لا تتناسب مع الازدحام الشديد، ولهذا لم أستطع المجيء.
قد يقول البعض مثلا إن المتحدث الرسمي لعمر الشريف هو الذي أدلى بتلك التصريحات كما يحدث كثيرا مع النجوم الأجانب، إلا أن المفارقة هي أنه منذ نحو عام، وتحديدا بعد رحيل الكاتبة إيناس بكر التي كانت هي سكرتيرة عمر الشريف والمسؤولة عن التواصل مع الإعلام العربي، لم يستعن عمر الشريف بأحد.
الصحافة تلجأ إلى التصريحات العامة التي لا تغضب أحدا عندما يتعذر عليها الوصول إلى المصدر، ولكنها تصريحات مغموسة بالكذب والادعاء ولا عذر.
جاءت الحقيقة الدامغة التي كشفت تلك الأكاذيب عند إعلان خبر إصابة عمر الشريف بألزهايمر، حيث قال ابنه طارق في أكثر من جريدة أجنبية عندما ذكر أنه يوم 17 يناير (كانون الثاني) أراد أن يخبر والده برحيل فاتن، فقال له: فاتن ماتت، رد عليه عمر: فاتن مين؟ وبعدها بأيام، كما قال طارق، كان بين الحين والآخر يسأله عن أخبارها، ولكنه لم يدرك أبدا أنها قد رحلت عن عالمنا.
الخطأ بالتأكيد فادح وفاضح، ولكن الصحافة، وتحديدا الفنية، صارت مخترقة، وفي العادة لا تتم محاسبة الصحافي أدبيا، فلم نسمع أن أيًا من المواقع أو الصحف التي نشرت تصريحات عمر المختلقة عاقبت الصحافي.
هذا الأمر بالطبع ليس وليد هذه الأيام، «الفبركة» لها العديد من التنويعات التي تتكرر من زمن إلى آخر، ولكن في عصر «النت» صار تناقل هذه الأكاذيب أسرع، كما صار في الوقت نفسه فضحها أسهل، وهكذا كشف ألزهايمر عمر الشريف كذب العديد من الصحف والمواقع الإخبارية. وكم من الجرائم ترتكب باسم الصحافة الفنية!!