التقدم التقني ينتصر دائماً، وبسهولة. البشر اكتسب بعضهم من بعض مهارة التحكم في النار. فاجأتهم تقنية ترويض الخيول، والعجلات الحربية، فما رأتها أمة وأبطأت في تبنيها إلا وهُزمت. ثم ظهر الحديد، فالبارود، فالمحرك البخاري، والكهرباء والميكنة والدواء.
التقنية لا تحتاج إلى تبشير ولا دعوة. على العكس. تضنّ بها الأمم التي تحوزها حتى حينٍ. وتتلصص أمم أخرى عليها لتتعلم سرّها. وإن سبقت إليها أمة وعرضتها على غيرها طلبت في السبق إليها ثمناً باهظاً، ودفع الآخرون المقابل.
لكن هذا لا ينطبق على التقدم القيمي، الرفيق المعنوي للتقدم التقني المادي. لا يحرص أحد على اكتسابه، وإن طُرح -بالمجان- رُفض، واتُّهم بالتآمر لتخريب الأمة، وأحيط فعل مناقشته، مجرد مناقشته، بالويلات والتهديدات والإنذارات.
والمشكلة هنا أن الإنسان العادي، كما كثير من المثقفين، علاوة على رجال الدين، وأهل السياسة، تلتقي مصالحهم في الإبقاء على الحالة القيمية كما هي. لأن السوفتوير البشري الآلف لهذه الحال يخشى من التغيير ومتطلباته. معظم أهل الكتابة يكسب جماهيرية أكبر إن أكد للجماهير على قيمها، أو نسب الاختلال القيمي إلى كيان غير «الشعب المعلم»، أو إلى الحيد عن القيم الأصيلة للشعب العظيم. ستكلله الجماهير بتاج «المحترم»، ويسعد. ويسعد سعداً إضافياً حين ترمي له الجماهير منافسيه في مهنة الثقافة، من ذوي الأصالة في التفكير والشجاعة في تقديم طرح بديل، بصفات سلبية.
رجل الدين بسيط في خطابه: هذه بدعة، هذا حرام، لن يصلح آخر هذه الأمة إلا ما صلح به أولها، وهلمّ جراً. يسري ذلك على قيم اجتماعية، أو على خيارات سياسية، أو على أساليب إدارة الاقتصاد. لا يناقش بدائل، ولا يُتعب نفسه بتقديم حلول. يجلس على كرسي القاضي القيمي، وينعم بترجيات الجمهور، ولتذهب الأمة نفسها إلى دوامة التيه، بينما تحاول أن تقاوم حركة الزمن.
أما المثقف فيخلق يوتوبيا وهمية هي الأخرى، لكنها مستقبلية. لن يتكلف هنا عناء تجميل الماضي، وتحويله إلى مادة إعلانية. ولن يتكلف عناء إقناع الجماهير بأن العودة إلى الخلف ممكنة، على نقيض ما يرونه من فعل الزمن بأجسادهم. سيصنع لهم معادلة وهمية عن المستقبل. فيها أنك إن فعلت كذا أو كذا فسوف تصل إلى السعادة في المستقبل. كذا أو كذا هنا مستعارة أيضاً من الماضي. في الاقتصاد، مثلاً، مستعارة من الاقتصاد الريعي. وفي العلاقات السياسية مستعارة من «لو». الدالة على وضع ماضٍ لم يعد موجوداً.
هذان النوعان من المؤثرين الجماهيريين يُغفلان أن صراع القيم ليس صراع أفضلية مطلقة، بل صراع صلاحية نسبية، حسب البيئة المحيطة. كالتطور تماماً. البقاء ليس للأفضل ولا للأقوى. البقاء للأنسب. الأنسب في مرحلة ما قد يكون الديناصور. وفي مرحلة أخرى قد يكون من الثدييات ما نقص عن 35 سنتيمتراً.
ويغفلان واقعية الصراع في جانبه الكمي. بمعنى أن الأسئلة القيمية التي واجهها الإنسان قبل ألف عام، في ظل حياة محدودة العدد، معزولة الجوار، تختلف كما عن الأسئلة القيمية التي يواجهها الآن والعالم كثيف متلاصق متصل. والأسئلة القيمية التي واجهها الإنسان في ظل اقتصاد محدود المهن، محدود المنتجات، يمشي بآلية زرع وحصد، أو زرع وأصابت المحصول آفة، أو اصطاد، أو لم يكن الموسم مناسباً للصيد، أو نسج وباع، أو أغارت على القافلة عُصبة من قطّاع الطرق ففقد ماله، أو غزا وغنم، أو غزا وخسر... تختلف هذه تماماً عن الاقتصاد المتنوع الذي تراكم عبر الزمن، وخلق المنتج المفرد فيه سلاسل اعتمادية، وقفز نوعياً مع قفزات مصادر الطاقة.
ويعمدان إلى خلق انفصال تام بين التقنية والقيم. فيشيعان إمكانية استيراد التقنية من دون الحاجة إلى أي تغيير في القيم. ويروّجان هذا على أنه «حصافة» وحكمة وذكاء.
رجل الدين لا يمانع استقدام التكييف أو إنارة الشوارع. لكنه يريد أن تقبع المرأة في هذا التكييف بنفس الطريقة والأحكام التي حكمت علاقتها بالمسكن والحي في عهد الخيمة والمشاعل، أو حين كانت دورة الغسيل الواحدة تستهلك منها يوماً بأكمله. المجتمع الحديث ينهار من تعطيل القوة العاملة لنصفه، وينهار إن عجزت المرأة عن التفكير بنفسها لأنها لم تتدرب على هذه المهارة في المواقف المختلفة.
والمثقف لا يمانع في استقدام سيارة مكيفة، وأن تستقلها المرأة بنفسها إلى حيث شاءت. على شرط أن تدفع عليها ضرائب بثمن سيارة مكيفة لشخص آخر، سعياً لغرض أن نعيش جميعاً في نفس المستوى، من اجتهد لشرائها، ومن لا يقدر عليها. القيمة التي يتبناها لا تأخذ آليات الاقتصاد المعاصر في اعتبارها على الإطلاق. الاقتصاد الحديث ينهار إن لم تتراكم الثروة لكي تعبُر عتبة الاستثمار أو على الأقل عتبة الطلب (القدرة الشرائية لمنتجات أخرى). عجلة الربح وافتتاح فروع جديدة وخلق وظائف تتوقف. والنتيجة ندفع ثمنها جميعاً. فنتساوى في الفقر.
كلاهما يستخدم عبارات جميلة لتبرير ما يدعوان إليه. وعبارات مشينة لوصف من يرفضه. وكلاهما يخلق مجتمعاً تواكلياً، جالساً في تكييف حديث تقنياً، بعقول متخلفة قيمياً. وكلاهما يفشل على أرض الواقع. فلا يستدعي ذلك منهما إلا لومنا على عدم الالتزام بحذافير كلامهما كما ينبغي.
11:2 دقيقه
TT
لا تجلس في التكييف بعاداتك القديمة
المزيد من مقالات الرأي
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة
