آندي موخرجي
TT

البنوك المركزية بمقدورها إنقاذ التمويل اللامركزي

لطالما حلم أتباع آين راند بالتمويل اللامركزي، باعتباره التحقيق النهائي لليوتوبيا الفوضوية - التقنية، بمعنى التحرر من كل من الحكومات والمنظمات الضخمة التي تضطلع بدور الرعاية والحراسة. إلا أنه في مكان ما على طول الطريق، علقوا عند نقطة تبدو أشبه بمزرعة الحيوانات التي أبدعها قلم جورج أورويل؛ حيث «تتساوى» بعض الحيوانات أكثر من غيرها.
الحقيقة أن كثيراً مما يعرف اليوم باسم التمويل اللامركزي لا يعدو كونه «مسرحاً لامركزياً»، مثلما يصفه فابيان شار، الأستاذ المتخصص في «بلوكتشين» بجامعة بازل. نظرياً، لم يكن من المتصور أن يجري التحكم في ركن العملة المشفرة الجديد من قبل عدد من الوسطاء المتضخمين. كان من المفترض أن يكون رمز الكومبيوتر الذاتي التنفيذ الذي يقرر كيفية إقراض الأصول الرقمية أو استثمارها غير قابل للتلاعب. ولم يكن من المتوقع أن تكون للمطورين حقوق خاصة.
إلا أنه بمرور الوقت تبين أن الواقع مختلف؛ من الأبواب الخلفية إلى مفاتيح إيقاف التشغيل، تتركز السلطة التقديرية في أيدي عدد قليل من اللاعبين. وأصبح لزاماً عليك أن تدفع مقابل الحماية من الهجمات التي عرفت باسم «الساندويتش» التي تضع معاملة واحدة قبل معاملاتك، وأخرى تلتها على «بلوكتشين» لسرقة أرباحك.
كان من المفترض أن تترك تقنية «دفتر الأستاذ» الموزع وراءها كل هذه الخدع في «وول ستريت».
إلا أنه لو كان جزء كبير من التمويل اللامركزي قد انحرف بعيداً عن الرؤية الأصلية له، فلماذا لا نجعله آمناً على الأقل لجميع المستخدمين من خلال الاستعانة بأكبر قوة مركزية للتمويل التقليدي؟ البنك المركزي.
اليوم، تبدو العملات الرقمية للبنك المركزي في مراحل مختلفة من التجريب، ما يبدو جزئياً كإجابة عن العملات المستقرة. وتربط هذه الرموز المميزة الخاصة قيمتها بوحدة حساب رسمية (مثل الدولار)، الأمر الذي يمنح مستثمري العملات المشفرة مساراً أقل تقلباً من «بتكوين» و«إيثر». ومع ذلك، فإن الاستقرار لا يعني الأمان.
إلى الحد الذي تستثمر فيه العملات المستقرة في الأصول الخطرة، من الطبيعي أن يقوم بنك التسويات الدولية (بنك البنوك المركزية) بالتحقيق فيما إذا كانت هذه الرموز المميزة مطلوبة حقاً لسيولة التمويل اللامركزي. في الواقع، فإن السماح للأشخاص بشراء الأصول الرقمية مع العملات الرقمية الصادرة عن البنوك المركزية، من شأنه أن يقضي على التهديدات التي يتعرض لها الاستقرار المالي جراء إمكانية تعرض عملة مستقرة للإفلاس.
وفي وقت قريب، عقد مؤتمر في زيوريخ تحت عنوان «هل يتطلب نظام التمويل اللامركزي العملات الرقمية الصادرة عن البنك المركزي؟»، برعاية بنك التسويات الدولية والبنك الوطني السويسري. وخلال الكلمة التي ألقاها، أجاب شار على السؤال بـ«لا»، مؤكداً أن اعتماد التمويل اللامركزي على البنوك المركزية سيشكل مفارقة. وأكد أن «هذا الأمر أشبه بالسؤال؛ هل تحتاج اللامركزية الآمنة إلى المركزية»؟ ومع ذلك، فإنه استطرد بقوله: «لكن هذا لا يعني أن السلطات النقدية لا تستطيع أن تفعل بعض الخير». وأضاف: «هل يمكن للعملات الرقمية الصادرة عن البنوك المركزية في نظام التمويل اللامركزي أن تكون مفيدة للطرفين؟ حسناً، هذا سؤال أكثر إثارة للاهتمام». إلا أنه عند اللعب على هذا الدور يجب أن تكون البنوك المركزية مستعدة لنقل مشروعات العملات الرقمية الخاصة بها في اتجاه جديد، «بلوكتشين» العامة.
تكمن نقطة جاذبية التمويل اللامركزي على التمويل التقليدي فيما يسمى القدرة على الابتكار، ذلك أنه بمقدور رمز الكومبيوتر (العقد الذكي) جعل تبادل الأصول الافتراضية والمال جزءاً من معاملة مركبة واحدة، التي تجري في مجملها ككتلة واحدة، أو لا تجري على الإطلاق. وبذلك تختفي مخاطر الطرف المقابل. ونتيجة لذلك، لا يوجد دور كبير للمؤسسات المالية المنظمة التي تعمل كوسيط جدير بالثقة.
قال شار إن هذا ينطبق فقط على بعض البروتوكولات اللامركزية والشفافة وغير القابلة للتغيير، مع عدم وجود مشغلين وامتيازات خاصة. من الناحية العملية، فإن كثيراً من التمويل اللامركزي لا تنطبق عليه هذه العناصر. وبالنسبة للمستثمر، سيكون الدولار الرقمي الذي يصدره بنك الاحتياطي الفيدرالي مباشرة خياراً أكثر أماناً من قبول عملة مستقرة تحافظ على ضماناتها في الأوراق التجارية والودائع المصرفية وسندات الشركات والقروض المضمونة والمعادن الثمينة.
الحقيقة هذه معضلة حقيقية، ذلك أنه لا يمكن دمج عملة رقمية صادرة عن البنك المركزي على «بلوكتشين» مصرح به (يخضع لسيطرة البنك المركزي) في معاملة مالية مركبة تجري على «بلوكتشين» عام من دون إذن، مثل بيتكوين وإيثريوم.
في الوقت نفسه، ليس من الواضح ما إذا كان أي بنك مركزي على استعداد لتوفير وصول مفتوح بالكامل إلى «دفتر الأستاذ» الخاص به، أو إذا كان ذلك يتوافق مع نوع «سرعات» المعاملات والأمان والخصوصية التي تريدها السلطات من التعامل مع شبكة تتعامل مع أموال سيادية.
المؤكد أنه بمرور الوقت ستنمو روابط التمويل اللامركزي بالتمويل التقليدي، وذلك نتيجة تعرض البنوك والوسطاء ومديري الأصول لضغوط للسماح لعملائهم من الأجيال الأصغر بالدفع والادخار والإقراض والاقتراض والتجارة والاستثمار والتأمين في العملات المشفرة.
وفي اعتقاد ليكس سوكولين، المسؤول لدى مؤسسة «كونسينسيس»، المعنية بتحليل مشروعات التمويل اللامركزي والمخاطر المرتبطة بها، تكمن الفرصة الحقيقية، وكذلك التهديد الأكبر لمكانة البنك المركزي، في مكان آخر. وقال: «لدينا اقتصاد (ويب 3) الذي يخلق نشاطاً مهماً، ومن رحمه يولد نظام مالي. كيف يمكننا بناء مسار للأموال الورقية هناك؟». في الواقع، قبل أن تقدم الشركات التكنولوجية الكبرى على مبادرة في هذا الاتجاه، يتعين على البنوك المركزية البدء في التفكير في بيع عملاتها الرقمية في هذا العالم الجديد الشجاع، لكن عليها أولاً معاونة التمويل اللامركزي على الخروج من «مزرعة الحيوانات» التي يجد نفسه فيها اليوم.
* بالاتفاق مع «بلومبرغ»