فيما يتعلق بشركات الطيران، يبقى الجزء الأكثر إثارة للقلق في الهبوط الإجباري لإحدى الطائرات في بيلاروسيا للقبض على صحافي في مدى السهولة التي جرى بها الأمر.
وبطبيعة الحال، فإن إعادة تنشيط صناعة النقل الدولي في خضم حالة تعافٍ واهنة من جائحة فيروس (كوفيد ـ 19) أمر ينطوي على ما يكفي من صعوبة. وبالتالي، فإن تهديد دخول العالم في حقبة جديدة من أعمال اختطاف الطائرات برعاية دول سيزيد الوضع برمته صعوبة على صعوبة.
وتتمثل الحقيقة الخالصة وراء الحادثة في أن المؤسسات العسكرية تسيطر على الفضاء، في الوقت الذي يوجد المدنيون هناك مجرد ضيوف. وإذا ما قررت الحكومات والقوات الجوية التي تسيطر عليها انتهاك الحريات التي نعتمد عليها في الانتقال من مكان لآخر، فإنه لا يوجد أمام شركات الطيران ما يمكنها فعله حيال ذلك.
اللافت أن هذا الانقلاب غير المتماثل لم يتطلب تكنولوجيا معقدة لإنجازه، مثلما أوضحت زميلتي كلارا فيريرا ماركيز في مقال لها. كانت هيئة التحكم في النقل الجوي ببيلاروسيا قد أطلقت تحذيراً بوجود تهديد أمني على متن الطائرة المتجهة من أثينا إلى فيلنيوس أثناء عبورها المجال الجوي لبيلاروسيا. وبالفعل، جرى إرسال طائرة طراز «ميغ ـ 29» المقاتلة لمرافقة الطائرة حتى العاصمة مينسك، حيث جرى نقل رامان براتاسفيتش من فوق متن الطائرة.
جدير بالذكر أن مثل هذه الاعتراضات تعد بمثابة نشاطات روتينية. على سبيل المثال، انطلقت طائرات مقاتلة لمرافقة طائرة صغيرة العام الماضي بعدما ضلت طريقها إلى داخل منطقة فضاء جوي يحظر فيها الطيران فوق نادي ترمب الوطني للغولف في بيدمينستر بنيو جيرسي. ووقعت حادثة مشابهة عندما جرى دفع إحدى الطائرات بعيداً عن منزل الرئيس جو بايدن في ديلاوير في الأسبوع الماضي.
وكثيراً ما تتدافع طائرات عسكرية روسية وأخرى تابعة لحلف «الناتو» للاستجابة لتدخلات من قبل الطرف الآخر، مع تحليق أكثر من 60 طائرة روسية في المجال الجوي لألاسكا وحدها العام الماضي، بل وتوفر إدارة الطيران الفيدرالي الأميركية إرشادات للطيارين بخصوص ما ينبغي عمله «إذا ما اعترضتك طائرة عسكرية أميركية أو أخرى تابعة لسلطات إنفاذ القانون».
بجانب ذلك، فإن هناك محاولات كثيرة لإسكات واحتجاز الأشخاص الذين يثيرون ضيق السلطات، مع إظهار حكومات بمختلف أرجاء العالم استعدادها لتجريب الترحيل.
في الواقع التحذير الذي أصدرته سلطات الاتحاد الأوروبي، للطائرات التابعة لها بضرورة تجنب أجواء بيلاروسيا يضيف فقط قطعة صغيرة إلى المشهد العالمي المتعلق بالدول التي يجري تقييد مرور الطائرات عبر أجوائها، والذي يبدو أقرب إلى أحجية. تجدر الإشارة في هذا الصدد إلى أن العديد من دول منطقة الشرق الأوسط، من ليبيا إلى إيران، يجري التعامل معها باعتبارها منطقة حظر جوي من جانب غالبية شركات النقل الجوي بسبب المخاطر التي قد تخلقها الحروب أمام الطائرات، وفقاً لـ«قاعدة بيانات مناطق الصراع والمخاطرة» (كونفليكت زون آند ريسك داتا بيس).
وتنتشر المناطق التي تحمل مخاطرة أقل عبر أرجاء شمال شرقي أفريقيا وأفغانستان وباكستان وأوكرانيا وكوريا الشمالية وروسيا والفلبين وفنزويلا ـ بل وحتى اليابان، حيث يجري التعامل مع الاختبارات الصاروخية التي تجريها بيونغيانغ باعتبارها تهديداً محتملاً مستمراً. وبذلك يتضح أن العالم بعيد تماماً عن كونه سماوات مفتوحة، وإنما أجواؤه أقرب إلى ما يكون لأحجية يتعين على الطائرات إيجاد طرق تحقق أفضل توازن ما بين تكاليف الوقود والمخاوف الأمنية.
الملاحظ أن الأوضاع كانت أشد صعوبة فيما مضى، فعلى سبيل المثال أقدم الاتحاد السوفياتي والصين في فترة من الفترات على منع مرور جميع الطائرات التابعة لشركات طيران أجنبية من أجوائهما. وعليه، فإن السفر جواً من لندن إلى طوكيو كان يتضمن في الغالب التوجه غرباً للتوقف في أنكوريج بألاسكا، طريق أطول بمقدار يقارب الثلث وأقل ترشيداً بكثير من حيث استهلاك الوقود عن الطريق الأكثر مباشرة المار عبر أجواء سيبيريا. وكان يمكن للخروقات الجوية في تلك الفترة أن تأتي بعواقب قاتلة. مثلاً، لقي 269 شخصاً كانوا على متن طائرة تتبع الخطوط الجوية الكورية مصرعهم خلال الرحلة رقم 007 المتجهة من نيويورك إلى سيول عام 1983، بعدما ضلت طريقها إلى داخل المجال الجوي السوفياتي وجرى إسقاطها.
ويعتبر تخفيف حدة هذه القيود بنهاية «الحرب الباردة» واحداً من العوامل التي لا تنال حظها من التقدير وراء نمو الطيران كصناعة عالمية، وليس محلية. وتشير الأرقام إلى أن رحلات الطيران خلال منتصف الثمانينات حملت فقط نصف الحمولة الحالية من الركاب والبضائع، لكن حركة النقل الجوي ارتفعت بصورة قوية في التسعينات وشكلت 70 في المائة من إجمالي معدل حركة النقل الجوي قبل الجائحة.
وتزيد الحادثة الأخيرة الصورة العامة لصناعة الطيران العالمية قتامة في وقت بدأت أخيراً في الاستعداد للعودة إلى الوضع الطبيعي. في الوقت الحاضر، ستبقى المسارات العابرة فوق أراضٍ واسعة خاضعة لسيطرة أنظمة استبدادية بمثابة عناصر رئيسية من خرائط طرق غالبية شرطات الطيران الكبرى.
والمؤكد أن حرية الطيران الحاكمة لهذه الطرق تتميز بأهمية جوهرية لضمان قدرة شركات الطيران على العمل على الصعيد العالمي. ومن دونها، سترتفع تكلفة الوقود لمستويات خيالية خارج حدود استطاعة الغالبية وذلك في أفضل الظروف، فما بالك عندما يتزامن ذلك مع فترة تعقب جائحة ترزح فيها شركات الطيران تحت وطأة ديون تقدر بمئات المليارات؟
وحال تزايد حالات الاختطاف بصورتها الجديدة على غرار ما فعلته بيلاروسيا لتصل مستوى انتشار حالات الاختطاف التقليدية في سبعينات القرن الماضي، حينها ربما يتضح لنا أنه حتى أشد التقديرات المعنية بمستقبل صناعة الطيران تشاؤماً لم تعكس ظلام الواقع بالقدر الكافي.
7:30 دقيقه
TT
لا نملك رفاهية العودة لطيران «الحرب الباردة»
المزيد من مقالات الرأي
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة
