فهد سليمان الشقيران
كاتب وباحث سعودي. ألف عدداً من الكتب خصوصاً في مجال الفلسفة، بينها "الفلسفة الحرام" و"نقد خطاب السعادة".
TT

الإخوان المسلمون «وأكذوبة» الإسلام السني!

دأبت الحالة الدينية الجديدة المتمثلة بأطوار التيارات الأصولية، وجماعات الإسلام السياسي، على استهداف المؤسسات التي يعيش عليها الناس، ذلك أن الأصول والمبادئ التي تعتنق من قبلهم ليست ذات بعد إنساني يفيد الفرد أو ينقذ الجموع، بل على العكس، يتكئ التيار الأصولي على عموميات وشعارات هدفها نزع المشروعيات لكن من دون أن تكون له مشروعية، واستهداف السلطات من دون القدرة على إدارة السلطة، ونفي الملكيات والأنظمة السياسية مع العجز المطلق عن إيجاد بدائل تدير حياة الناس وتقف على أغراضهم وتلبي طموحاتهم وتنسج أحلامهم، وازدادت هذه التيارات عجزا وفشلا مع إدمانها على «تجريب الفشل»؛ إذ لم تستطع أن تنهض على قدميها بوصفها جماعات بناء، بل تنجح دائما بكونها أدوات قتل وهدم.
بعد الضربات المدوية التي قامت بها السعودية والإمارات ضد جماعة الإخوان «أم الإرهاب» بكل أفرعه وأطواره وتشكلاته، زعقت الأصوات المنددة من داخل الجماعة باعتبار هذا التمشيط القانوني المحكم إنما هو استهداف لـ«الإسلام السني».
أحدهم تحدث مهاجما ولي عهد أبوظبي الشيخ محمد بن زايد، واعتبر أن استهداف جماعة الإخوان المسلمين هو استهداف بالأساس للإسلام السني. وهذا القول مضحك بالمعنى العلمي والموضوعي، وآية ذلك أن الجماعة طارئة على تاريخ الإسلام السني، وهي خليط وأمشاج من التيارات الشيوعية والقومية ومن فشل من أحزاب البعث، وهناك التئام شيعي سني في التأسيس الحركي للجماعة نظريا وميدانيا، فالإسلام السني الممتد من إندونيسيا إلى المغرب أكبر بكثير من شرائح ضعيفة بائسة تشكل جمهور الجماعة في المناطق المهجورة وأماكن الجهل ونقص التعليم. من هنا، فإن المعنى الهجومي الذي يمارس من خلال إعادة الوهج «السني» للجماعة، ليس إلا آخر الأسلحة التي تحارب بها الجماعة المهزومة.
بمراجعة أدبيات رموز جماعة الإخوان المسلمين إقليميا، وبقراءة النسخة «السرورية» للجماعة في السعودية، لا نجد البعد السني الدقيق بالمعنى الفقهي الذي يستندون إليه، بل يتجهون أحيانا إلى أقوال مهجورة، أو تأويلات ليست معتمدة في المذاهب السنية الكبرى. من هنا، فإن القول بأن الجماعة هي «أهل السنة» وبأن تجريم الانتماء إليها استهداف مخطط، ليس إلا قولا سياسيا، وليست له أي قيمة معرفية أو علمية.
ثم إن الجماعة على خصومة مع المؤسسات السنية في العالم الإسلامي، من الأزهر، إلى هيئة كبار العلماء، إلى مؤسسات الفتيا والإرشاد في الإمارات، وكذلك مع مرجعيات الفتيا الأخرى بالعالم الإسلامي، ولهذا السبب أسسوا الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، وهو مؤسسة تم تجريم الانتماء إليها بالإمارات، ونكتشف أن تأسيسها سببه حزبي سياسي محض، وذلك لتجاوز الفتيا السنية المعروفة في بلدان المسلمين، وللضخ في الأحداث التي تجري من دون الرجوع إلى الفقهاء «غير المسيّسين» في المؤسسات الدينية سواء بالأزهر أو بهيئات كبار العلماء ودور الإفتاء.
يذكر آية الله طالب الرفاعي (أحد مؤسسي حزب الدعوة العراقي) في مذكراته «الأمالي»، أن جماعة الإخوان «السنية» طلبت منه أن يكون رمزا لها في العراق، يقول (في ص: 112): «جاءني معن العجلي في غرفتي الخاصة، وإذا به يضحك مباشرة بلا مقدمات، فقلت خيرا إن شاء الله تضحك يا أبا المهلب! قال: جئتك بخير الدنيا والآخرة، ثم قال: قبل ذلك قم والبس ثيابك، فالسيارة تنتظرنا، فسألته: ما القصة؟! قال: الآن مجلس الحزب الإسلامي ينعقد ببغداد فلما بحثوا في اختيار رئيس للحزب، اتفقوا على اختيار طالب الرفاعي رئيسا، فالمجلس ينتظر مجيئك، وهو في حالة انعقاد حتى يبايعوك».
هذه الحادثة توضح أن الجماعة الإخوانية لم تكن سنية بحتة، بل كانت، ولا تزال، سياسية، وهذا يوضح مستوى التقارب بين الإخوان المسلمين الشيعة ممثلين بحزب الدعوة، والإخوان المسلمين ممثلين بالجماعة الأم وفروعها، وهناك تشابه في الاستراتيجيات والبرامج، وهذا ينفي زعم أنها جماعة «السنة»، بل هي جماعة سياسية طارئة، دخولها في تاريخ المسلمين دخول إعاقة وليس دخول إضافة.
في كتابها «الإخوان المسلمون.. تطور حركة إسلامية» قدمت البروفسورة كاري روسفسكي ويكام، عرضا لأوجه الشبه والاختلاف بين إخوان مصر والأردن والمغرب والكويت، ولعل إحدى نقاط الاختلاف بين هذه الحركات - حسب ويكام - هي في طبيعة العلاقة بين الجماعة الدينية والحزب السياسي؛ ففي حين نجح الإخوان في الأردن والكويت والمغرب في الفصل بين النشاطين الدعوي والسياسي، فإن إخوان مصر آثروا الدمج بين الطرفين، وهو ما أثر على كفاءة كليهما، حسب ويكام. (انظر تحليل د. خليل العناني للكتاب).
هذه الفكرة هي التي يحاول الإخوان التركيز عليها من خلال تبرئتهم لساحتهم المنبرية من الأغراض والموضوعات السياسية بغية عزل الأفكار عن السياسات، والذهاب بعيدا بالنشاط الديني الوعظي عن المجال السياسي من أجل ضمان الأمن الواقعي والميداني، بيد أن هذا الفصل بين النشاطين لا يصح؛ إذ ارتبط المنبر الإخواني بالخطاب، ليس السياسي فقط، بل والعسكري أيضا، والحديث عن «مشروعيات الدول» والتخطيط لانقلابات، وهذا لم يطرح تحت الأرض، بل طرح في كتيباتهم، وأخص تلك التي طبعت بعد «الربيع العربي».
بآخر المطاف، ينتهي العام بتلقي الإخوان ضربة كبرى، هي أساس لبدء تنقية المجتمعات من ثقافة الموت والدم، ومن شعارات أكل عليها الدهر وشرب، لتكون الحياة طبيعية سهلة، بعيدا عن تحويل كل أنشطة البشر إلى برامج كوادر بجماعة، فحرية الإنسان في فردانيته وانتظامه مع القانون، واحتمائه بالدولة ومؤسساتها والانضباط مع مشروعيتها، أما دعاة صنع النيران والموت، فهم يعيشون أسوأ مراحل جماعتهم التي كانت، ولا تزال، خليطا من التيارات القومية والبعثية والإرهابية والإجرامية، ولم تكن إلا وجها كارثيا للإسلام كله بكل طوائفه.