لحسن حداد
كاتب مغربي وهو أستاذ جامعي في التدبير والتواصل والعلوم السياسية والجيواستراتيجيا وإدارة الأعمال. خبير دولي في التنمية والاقتصاد والدراسات الاستراتيجية والثقافية والاجتماعية. نائب رئيس «المنظمة الدولية للتنمية». وزير السياحة الأسبق في الحكومة المغربية. عضو في مجلس المستشارين المغربي (الغرفة الثانية في البرلمان). رئيس اللجنة المشتركة للبرلمانين الأوروبي والمغربي.
TT

شعبوية إردوغان: حقيقة أم أسطورة؟

يكاد يُجمِع المتتبعون للشأن التركي على أن رجب طيب إردوغان الذي كان من أكبر المدافعين عن الديمقراطية وحقوق الإنسان والتعدد الإثني والديني خلال ولايته الأولى كرئيس للوزراء (2003 - 2007)، أصبح الآن من أكبر زعماء خطاب قِوامه معاداة النخب والمزج الصريح بين القومية والإسلام والإيمان بوجود مؤامرات تُدَبّرُ من طرف أعداء الوطن في الخارج والداخل. هذا التحول جعله في مصاف الزعماء الأكثر شعبوية عبر العالم من أمثال نيكولا مادورو في فنزويلا وجاير بولسونارو في البرازيل وحتى أكثر من دونالد ترمب في الولايات المتحدة وفيكتور أوربان في هنغاريا وناريندرا مودي في الهند حسب «قاعدة البيانات الخاصة بالشعبوية» التي وضعتها جريدة الغارديان البريطانية، انظر بيثان ماكيرنان، «من زعيم إصلاحي إلى سلطان جديد: التحول الشعبوي لدى إردوغان»، (الغارديان، 11 مارس/ آذار 2019).
لماذا هذا التحول؟ كيف لبلد عرف تطوراً اقتصادياً مذهلاً خلال فترة حكم «حزب العدالة والتنمية» أن يسمح لزعيم هذا الحزب أن يدشن لتراجع واضح على مستوى الديمقراطية وحقوق الإنسان وعلى مستوى وجود مؤسسات للحكامة تقوم بعملية المراقبة بعيداً عن الحسابات السياسية؟ وهل في هذا خطر حتى على نجاحات تركيا الاقتصادية وعلى دورها على المستوى الدولي؟
صعد نجم «حزب العدالة والتنمية» في تركيا على خلفية فساد النخب العلمانية واستبداد العسكر بالدفاع عن قيم الجمهورية التي وضعها كمال أتاتورك قبل أقل من مائة سنة. تجربة التدبير المحلي الناجحة حين كان إردوغان عمدة لإسطنبول في التسعينات أعطت سمعة جيدة للحزب وجعلته يتبوأ مركز الصدارة في انتخابات 2002 كما بيّن ذلك سلون كورو في مقال رأي بعنوان «هل بلغت شعبوية إردوغان مداها؟»، («نيويورك تايمز»، 2 أبريل/ نيسان 2019)، «تحت قيادة إردوغان القوية، عرف الاقتصاد نمواً مطرداً، وتم إصلاح بيروقراطية الإدارة»، وتم إبعاد النخب الفاسدة وتلجيم سلطة العسكر إلى درجة أصبح البعض يقول بنموذج تركي ديمقراطي في بلد غالبية سكانه مسلمون (نفس المصدر).
في بداياته كان إردوغان من أكبر المدافعين عن الديمقراطية حين قال في إحدى المحاضرات عام 2004 إن «الديمقراطية هي حوار التسامح والمصالحة»، ودعا إلى فتح الحوار مع الأقليات «الكردية والقوقازية والأبخازية واللازية»، بيثان ماكيرنان، «من زعيم إصلاحي إلى سلطان جديد: التحول الشعبوي لدى إردوغان» («الغارديان»، 11 مارس/ آذار 2019). كان خطابه خالياً من نفحة تمجيد الشعب ومحاربة النخب والقول بتركيا الجديدة وغيرها من المقولات الشعبوية التي أصبح يرددها في السنوات الأخيرة.
ماذا جرى؟ كيف وقع التحول وما هي أسبابه؟ هل كانت ليبراليته المفترضة في بداياته كرئيس وزراء فقط نوعاً من الحساب التكتيكي لتوسيع قاعدة «العدالة والتنمية» من أجل تمرير التغييرات الدستورية التي رافقت استفتاءات 2007 و2010 والتي كان الهدف منها تقليص سلطة العسكر وتقوية عود الحكومة المدنية، وهو تحول يخدم أجندة «العدالة والتنمية»؟ هل نجاحات إردوغان الاقتصادية جعلته أكثر ثقة بالنفس مما حدا به إلى التخلي عن فكرة الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، خصوصاً بعد التحفظات التي أبدتها دول أوروبية عديدة تجاه ذلك، واعتماد خطاب قومي حول تاريخ تركيا ودورها على مسرح الأحداث العالمي؟
هل أن الجانب الديني الذي توارى إلى الوراء في فترة التقعيد (2003 - 2010) أصبح أكثر شجاعة وقوة بعد توالي الانتصارات، حيث دفع بإردوغان إلى تبني مقاربة محافظة على مستوى التشريع والخطاب، وهي مقاربة بعيدة عن الحس الليبرالي الذي تبناه في السنوات الأولى من حكمه؟ أم هل أن ثقته بقدراته على المناورة ومواجهة خصومه وتحقيق النجاحات تلو الأخرى جعلته يتبنى دور المدافع الشرس عن الإسلام والمسلمين وينسج لنفسه صورة المنقذ والقائد الذي لا يُهزم، على الطريقة العثمانية؟
كل هذه الطروحات واردة ولكن الأساس هو صعود خطاب قوي لدى إردوغان هو عبارة عن خليط من القومية التركية والإسلاموية كرد على الأحداث الدولية وعلى إعادة قراءة وبناء لتركيبة تركيا الحديثة التي وضع أسسها مصطفى كمال أتاتورك.
في مقال بجريدة «لوموند» الفرنسية تحت عنوان «ما هي حدود الخطاب القومي - الإسلاموي لإردوغان» (19 يوليو/ تموز 2020) يقول جان بيير فيليو إن تحويل كنيسة القديسة صوفيا إلى مسجد، مثلاً، تعتبر «مزايدة نابعة من قومية محارِبة مغلفة بغلاف ديني». أي أن قرار إردوغان بالسماح لإقامة الصلاة بالكنيسة (بعد تحويلها إلى مسجد) يمثل إعادة لإحياء الصراع الديني بين المسيحية البيزنطية والفتوحات الإسلامية التي كانت ترى فيها أوروبا المسيحية إعلان حرب وجبت مقاومته عبر الحروب الصليبية.
ما يهم في مقال «لوموند» هو أن إردوغان بصدد بناء «تركيا جديدة» مختلفة تماماً عن تركيا التي وضع أسسها أتاتورك قبل مائة سنة. توغل القوات التركية في العراق ووضع مناطق متحكم فيها من طرف الجيش التركي في سوريا والتدخل في ليبيا هي محاولة لإعادة بناء وضع جديد تفرضه تركيا مثل (وأحسن مما) وضعه أتاتورك في اتفاقية لوزان لـ1923 لحماية المصالح التركية (نفس المصدر). التدخل في ليبيا هو محاولة، حسب جان بيار فيليو، لمحو ذاكرة هزيمة الجيش العثماني المُهينة سنة 1911 - 1912 على أيدي الإيطاليين في معارك طرابلس الغرب (أو حرب ليبيا كما يسميها الإيطاليون) والتي ساهم فيها أتاتورك كضابط في الجيش العثماني (المصدر نفسه).
هدف إردوغان هو إعادة المجد لتركيا ولكن ليس عبر التقارب (الآيديولوجي والجيو - استراتيجي) مع أوروبا والذي كان هو مشروع أتاتورك ولكن عبر مزيج من القوة الاقتصادية والعسكرية وإعادة بناء صورة تركيا كدولة قومية إسلامية وإردوغان نفسه كبطل يمزج بين الأتاتوركية والعثمانية.
رغم خطابه الإسلامي فإردوغان ليس إخوانياً، ورغم وصوله إلى الحكم عبر صناديق الاقتراع فلم يبق مناصراً لقضايا الديمقراطية وحقوق الإنسان، ورغم مناصرته للقضية الفلسطينية فلا حرج له في إقامة علاقات وطيدة مع إسرائيل، لأن ما يهم بالنسبة إليه هو إعادة بناء تركيا جديدة على أنقاض الحلم الأتاتوركي، وإن تم ذلك على حساب المُثُل التي كان يؤمن بها فلا حرج.
لهذا يحتاج إردوغان لآلة دعائية متطورة، تضعه في مصاف المنقذين والمناصرين لقضايا الشعوب المسلمة المغلوبة على أمرها. وككل آلة دعائية فإنها تحتاج لمنظومة خطابية بسيطة تضع «الشعب» في مقدمة الاهتمامات من دون أخذ عناء تحديد ما يعنيه بالشعب، وتهاجم النخب وإردوغان يكون جزءاً منها، وتصنع أعداء من الغرب والعرب لتصدير المشاكل الداخلية وتمجد تاريخ تركيا العثمانية وغير العثمانية المنتشية بانتصاراتها المتوالية.
لهذا فشعبوبة إردوغان المفترضة لا تشبه لا شعبوية تشافيز ولا أوربان ولا ترمب. إنها آلية خطابية مُكمِلة لدهاء سياسي متقدم وإنجازات اقتصادية لا غبار عليها وتقعيد لاختزال «تركيا الجديدة» في شخص إردوغان. ميل إردوغان المستجد نحو نوع من الاستبداد النسبي، بعدما كان مناصراً للديمقراطية وحقوق الإنسان، ووضعه لنظام رئاسي قوي، وتهميشه المتزايد لدور المؤسسات، وبناء صورة له كلازمة أساسية لتركيا الحديثة على الطريقة الأتاتوركية لم تؤد إلى شبه تقديس نسبي لشخصه فحسب ولكن إلى جعله كذلك (هذا ما يطمح إليه ربما) أقوى من اللحظة، وأعلى من التاريخ، ليحلم بمكان له إلى جانب محمد الثاني وسليم الأول وسليمان القانوني ومصطفى كمال أتاتورك. نهضة تركيا وتطورها الاقتصادي والصناعي والتكنولوجي والعسكري هي في نفس الوقت نتاج لميثولوجيا إعادة الأمجاد الغابرة هذه وسبب في تكريسها في عقول الأتراك وجزء من المسلمين. بهذا أصبح إردوغان بطلاً للأتراك ونموذجاً يُحتذى من طرف بعض المسلمين عبر العالم، لأنه عرف كيف يزاوج بدهاء بين التدبير الاقتصادي والسياسي الناجح وبين آلة دعائية لا تتردد أبداً في استعمال بروتوكولات الخطاب الشعبوي المتوفرة بكثرة في عالم القرن الحادي والعشرين.