غالبية المحللين والسياسيين يتوقعون صفقة ما بين أميركا - ترمب، وإيران. ويعللون موقفهم هذا بالتالي...
1 - ترمب غير مبدئي، ويقارب السياسة الخارجية بشخصانية. وبالتالي، هو على استعداد لإبرام صفقة مع أعتى الأعداء، إذا قدّر أن هذه الصفقة تساعد على تحقيق مصلحة ما لأميركا تعزز موقعه في اللعبة السياسية الداخلية.
2 - ترمب وعد منتخبيه بأن يُخرج أميركا من أتون الحروب المكلفة، ولا سيما في الشرق الأوسط، وأنه قادر على ليّ أذرع أعداء بلاده بطرق أخرى غير مكلفة ومن خلال سياسة حازمة. لذا، هو يستخدم سلاح الحصار الاقتصادي والتجويع لإخضاع أعدائه المفترضين أو الإطاحة بأنظمتهم، كون هذا السلاح متوافراً، وأميركا في موقع قوة وقدرة في هذا المجال.
3 - يعتقدون أن سياسة ترمب تجاه إيران المربعة الأضلاع (حصارها اقتصادياً، وتجويعها، وعزلها دولياً)، ضرب لاستقرارها الداخلي عبر ثورة شعبية أو عبر استخدام تناقضات الشيعة مع غير الشيعة، والفرس مع غير الفرس، وذلك بتحفيز ومساعدة التنظيمات المناوئة لنظام ولاية الفقيه (عرض عضلات أميركا العسكرية دون استخدامها) أعطت ثمارها، واقترب وقت قطافها. فإما أن يسقط النظام الإيراني تحت وطأة الاحتجاجات الشعبية، وإما أن يقبل بالإملاءات الأميركية.
4 - يبالغون في تقديرهم لانهيار التمدد الإيراني في المنطقة، فبنظرهم، العراق شبه فالت من أيدي إيران، حيث إن أميركا فرضت رئيس وزراء يتناغم معها، والأسد على وشك السقوط في سوريا نتيجة اتفاق أميركي - روسي مزعوم، والوجود الإيراني فيها يتقلص، و«حزب الله» يقاتل بالسلاح الأبيض في لبنان المفلس من أجل البقاء... وبالتالي التمدد الإيراني من طهران إلى فلسطين، مروراً ببغداد ودمشق وبيروت، الذي يشكل الحزام القاتل لإسرائيل، بات مهدداً بالزوال الوشيك.
5 - يعتبرون أن إيران، ومعها «حزب الله»، باتت مفلسة، وبالتالي غير قادرة على الدخول بأي حرب أو مغامرة عسكرية مباشرة أو من خلال بعض مكونات «فيلق القدس»، وبالتالي عاجزة عن إيقاف مسار «تسوية» القضية الفلسطينية عبر «صفقة القرن».
نظراً لهذه الاعتبارات الخمسة، فهم يؤكدون أن لا مفر أمام أصحاب القرار في طهران إلا أن يعقدوا صفقة مع «الشيطان الأكبر» حتى لو كانت من موقع ضعف، ولو كانت من طبيعة استسلامية، وذلك كي لا يتكلفوا الثمن الأبهظ بسقوط نظامهم الإسلامي.
صحيح أن ثمة واقعية ما في تشخيص الضعف التي تعاني منه إيران. غير أن الاستنتاج أن إيران سوف تسلك طريق المفاوضات في الصفقة، نابع من عدم إدراك عميق لماهية وطبيعة النظام الإيراني، وما إذا كانت صفقة مع «الشيطان الأكبر» تعرض هذا النظام للانهيار، كونها تتعارض مع «علة وجوده».
بالمقابل يمكن تعداد بعض عناصر القوة التي تتمتع بها إيران...
1 - الخبرة الطويلة لإيران في التعايش مع نظام العقوبات، وهي بالتالي تعرف كيف تخفف من وطأته، وإن كانت العقوبات أشد قساوة هذه المرة.
2 - إرث الإمبراطورية الفارسية في الدهاء السياسي والدبلوماسي والتفاوضي، ما يمكّنها من استغلال التناقضات بين الدول والكيانات والأشخاص لصالحها.
3 - المهارة في لعبة الشطرنج (الفارسية بالأصل) حيث تخطط لخطوات عدة في المسار الطويل للتطورات.
4 - القدرة على تحديد الأثمان والتفاوض، على شاكلة تجار البازار الإيراني.
5 - المثابرة في العمل، والبال الطويل في مسار تحقيق أهدافها، وهذه الصفة منبثقة من المخزون الثقافي التاريخي الإيراني في حياكة السجاد.
6 - إتقان العمل العسكري والاستخباراتي وفن الحروب الرقمية.
7 - الاستفادة من تناقضات عدد وافر من الدول والأطراف مع أميركا - ترمب، والتي بالطبع لها مصلحة في ألا ينجح ترمب في خطته كي لا يستقوي عليها.
8 - الاستفادة من الحالة الكربلائية السائدة في أوساط واسعة من الشيعة في إيران وبلدان المنطقة، وهي تغذيها.
9 - الاستفادة من بعض الإسلاميين السنّة، مثل «الجهاد الإسلامي» الفلسطيني وحركة «حماس».
10 - إيلاء «فيلق القدس» الأهمية القصوى، قياساً بباقي الكيانات العسكرية والأمنية، كونه المسؤول عن تصدير الثورة في «الحرس الثوري» وكونه يشكل ذراع إيران العسكرية والأمنية في المنطقة.
11 - الاستفادة من كَون السلطة متمركزة في يد «الولي الفقيه» (خامنئي) في إطار ديمقراطية شكلية تعطيه مرونة تكتيكية وقدرة على المناورة، من خلال إيهام الخصم بتفسخات وصراعات واهية داخل السلطة.
12 - بالمقابل، اتخاذ القرار في أميركا يخضع لعدد كبير من الضوابط في النظام السياسي الأميركي، ما يصعّب عملية اتخاذه، كما أن عين الرئيس الأميركي تظل شاخصة على الناخب غير الملم بضرورات السياسة الخارجية الاستراتيجية والمحدود اهتمامه بالأوضاع الاقتصادية والاجتماعية.
13 - أصدقاء وحلفاء أميركا في المنطقة ليس بمقدورهم التحرك عسكرياً بشكل فاعل ضد إيران في غياب قرار أميركي بالمواجهة.
أما اليوم، فإن جائحة كورونا بنتائجها الكارثية على الاقتصاد الأميركي وعدد الوفيات، قللت من حظوظ ترمب بالفوز في الانتخابات الرئاسية، وإن كان لا يزال أوفر حظاً من خصمه بايدن.
من الواضح أن رهان إيران الأساسي هو على نجاح بايدن؛ حيث إن فوزه في الرئاسة سوف يعني بالنسبة لها العودة إلى سياسة أوباما المؤيدة لها، ما يخرجها من مأزقها الحالي. وفي الوقت المستقطع، تحاول إيران ومعها «حزب الله» كسب الوقت من خلال انتهاج سياسة المعارك الصغيرة وكل ما يمكن أن يحرج ترمب ويقلل من حظوظه في النجاح. ولكن قد لا يكون هذا الرهان صائباً 100 في المائة كون ما حدث في عهد ترمب ضرب بالصميم سياسة أوباما تجاه إيران القائمة على إمكانية أن تتصرف إيران «الإسلامية» كدولة طبيعية، وليس كدولة مارقة، وأن تساهم في الاستقرار الإقليمي عبر مساهمتها الإيجابية في النظام الإقليمي المرتقب.
من الواضح أيضاً أنه من رابع المستحيلات ومهما كبرت الضغوط عليها، أن تقبل إيران أن تتفاوض مع ترمب الذي لن يتخلى عن سياسة التفاوض «على الحامي»، لأن في ذلك إقراراً بالهزيمة وفقداناً لماء الوجه وضرب معنويات أتباعها في المنطقة (محور المقاومة).
كما من الواضح أنها لن تقبل مهما كلف الأمر بالتخلي عن تمددها في المنطقة، لأن هذا التخلي يعني ببساطة القبول بالتخلي عن علة وجودها، أي تصدير الثورة، بمعنى فرض إسلامها «هي» على العالم بأسره، وليس فقط في المنطقة.
لذا، من رابع المستحيلات أن تدخل في مسار تفاوضي جديّ مع أميركا - ترمب. وإذا وقعت الحرب فلن تؤدي إلى المفاوضات، بل إلى استسلامها الكامل.
أما أميركا - بايدن، فسوف تُبقي لها الطريق مفتوحةً أمام «مشروعها التوسعي الفارسي الإسلامي».
- كاتب لبناني
10:2 دقيقه
TT
استحالة الصفقة بين أميركا ـ ترمب وإيران
المزيد من مقالات الرأي
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة
