هذا خبر صاعق: في كل خمس ثوانٍ يتحول شخص في العالم إلى مكفوف. وفي كل دقيقة يتحول طفل في العالم إلى مكفوف. يبلغ عدد المكفوفين في العالم حالياً نحو 39 مليون شخص، وعدد ضعاف البصر، أي الذين لديهم درجة الرؤية محدودة في إحدى العينين، 285 مليون شخص، و90% من المكفوفين وضعاف البصر يعيشون في البلدان النامية ذات الدخل المنخفض؛ الهند في المقدمة تليها أفريقيا ثم العالم العربي والصين. هذه الأرقام من مصادر مهتمة بهذا الموضوع من بينها الاتحاد العالمي للمكفوفين.
وهذا خبر مبهج: 80% من ضعف البصر يمكن تجنبه عن طريق الوقاية والعلاج. أي أن الأرقام المؤلمة السابقة يمكن أن تتراجع مستقبلاً مع تقدم العلم.
صدق أو لا تصدق: هناك الآن 600 منظمة في 158 دولة منتمية إلى الاتحاد العالمي للمكفوفين وضعاف البصر الذي انبثقت عنه الوكالة الدولية للوقاية من العمى. والاتحاد ليس منظمة سياسية أو دينية أو حكومية أو ربحية، ومقره في تورونتو بكندا.
وتعد طريقة برايل في القراءة من أعظم الاختراعات التي عرفها الإنسان لخدمة المكفوفين. لقد فقد الفرنسي لويس برايل إحدى عينيه حين كان طفلاً في الثالثة من عمره، ولذلك قرر أن يبتكر شيئاً مفيداً للمكفوفين غير العصا. وهكذا ابتكر نظام كتابة وقراءة بتمرير الأصابع على حروف بارزة في كل منها نتوءات من واحد إلى ستة نتوءات، مستفيداً من هوايته في العزف على الأرغن. وعرفت فرنسا قدر هذا الرجل فدفنته بعد وفاته بالسل وهو في الثالثة والأربعين من عمره، في مقبرة العظماء في الحي اللاتيني في باريس، أمثال جان جاك روسو الفيلسوف والملحن والكاتب صاحب الكتاب الشهير «العقد الاجتماعي»، والأديب فيكتور هوغو مؤلف رواية «البؤساء»، والكاتب والأديب إميل زولا (دُفن هوغو وزولا في سرداب واحد)، والعالم لويس باستور مكتشف الجراثيم، والعالمة ماري كوري التي تحمل جائزتي نوبل، الأولى في عام 1903 في الفيزياء والأخرى في عام 1911 في الكيمياء، وهي المرأة الوحيدة المدفونة مع العظماء، والأديب والناشط السياسي أندريه مالرو الذي كان صديقاً للعرب، والأديب ألكسندر دوماس الأب مؤلف رواية «كسارة البندق» التي تحولت إلى استعراض الباليه الشهير من موسيقى تشايكوفسكي. وأنا أذكر هذه الأسماء العظيمة للدلالة على عظمة لويس برايل باختراعه الذي فتح آفاقاً واسعة أمام المكفوفين في كل العالم وبمختلف اللغات.
أريد أن أصل بهذا الكلام إلى أن المكفوفين لم يعودوا وحيدين أو منعزلين مع العصا البيضاء التي تعد رمزاً لهم، فقد أقرّت الأمم المتحدة مجموعة من المواثيق للاعتراف بحقوقهم الإنسانية كاملة غير منقوصة، بل تضاف إليهم حقوق أخرى لتيسير حياتهم كالركوب مجاناً في القطارات ووسائل النقل العام ودخول النوادي والمكتبات والحدائق وملاعب الأطفال مجاناً أيضاً، وتوفير خدمات منزلية مجانية لمن لا أحد يعيش معه من أهله. وقرأت قبل سنوات عن إقامة حفلات زواج جماعية ترعاها جمعيات خيرية لتزويج عرسان مكفوفين لعرائس يبصرن، والعكس أيضاً.
وهناك خبر مفرح من مصر: بدأت منذ فترة قريبة مؤسسة «أخبار اليوم» الصحافية إصدار مجلة فصلية مطبوعة بحروف برايل، ربما هي أول مبادرة عربية في هذا المجال الفريد الذي تدعمه الدولة. وهذه المجلة لا توزع في أكشاك الصحف وإنما تُرسل إلى الجمعيات الخيرية والمكتبات العامة والمدارس. وكانت هناك محاولات فردية سابقة في مصر لإصدار مطبوعات للأطفال المكفوفين بطريقة برايل تكون الصور فيها ذات ملامح ملموسة.
ولم تكتفِ مصر بالمجلة، فاستضافت دار الأوبرا المصرية في شهر فبراير (شباط) الماضي الفنانة اليابانية ساتو لي خبيرة تعليم المكفوفين الرسم والتصوير في ورشة عمل عقدتها مؤسسة اليابان لتبادل الثقافات.
وفي المملكة العربية السعودية ابتكر فريق عمل سعودي أول مصحف إلكتروني للمكفوفين في العالم. وهو جهاز لوحي يخزن القرآن الكريم كاملاً، ويُحول أحرف برايل الثابتة إلى أحرف متحركة تتشكل حسب الحرف والصفحة.
ومن المجلات العالمية الشهيرة التي أصدرت نسخة دورية خاصة لذوي الاحتياجات البصرية مجلة «ريدرز دايجست» الأميركية المتخصصة بالقصص الشخصية والأحداث الغريبة والتجارب الإنسانية، ومجلة «سفنتين» الموجّهة للشباب والشابات، ومجلة للنكات والطرائف. ولصحيفة «نيويورك تايمز» تجربة مهمة في هذا المجال. وأفردت مجلة «تايم» في عدد 18 يونيو (حزيران) عام 2001 غلافها لأحد متسلقي قمة إيفرست في جبال الهيمالايا، وكان مكفوف البصر!
ربما كانت الولايات المتحدة وبريطانيا أكبر دولتين تصدر فيهما مجلات للمكفوفين وهي تضم تشكيلة من مختلف الاختصاصات والأعمار، منها مجلات للأطفال تحت تسميات «الانطلاق» و«الآنسة الصغيرة» و«النقاء»، وهذه الأخيرة للمراهقات بين سن 16 و19 سنة تتناول موضوعات الفن والأزياء والصحة والجمال. وفي مجال العلوم والتقنيات هناك مجلتا «تكنولوجيا المعلومات» و«الحاسوب». ولرجال المال والأعمال والاستثمار المكفوفين مجلة اسمها «شؤون مالية» وهي متوفرة أيضاً على أسطوانة (CD)، ولهواة التسوق من المكفوفين مجلة «شوب وندو» وتعني «الفاترينة»، وتقدم أفضل العروض والهدايا، وهي متوفرة على (CD)، ولهواة الشطرنج مجلة خاصة لتعليم مهارات وخدع الشطرنج للمبتدئين والمحترفين من المكفوفين. وفي نفس المجال ثمة مجلة اسمها «اللغز» متخصصة في الألعاب الفكرية والألغاز والكلمات المتقاطعة والسودوكو. وإحدى مجلات برايل اسمها «تَقَدُّم» متخصصة في الطبخ، خصوصاً أن هناك قناعة لدى الطباخين بأن المكفوفين أفضل من المبصرين في التذوق، لأن كثيراً من المبصرين يتذوقون بعيونهم الألوان والتزويق بينما يهتم المكفوفون بالطعام مباشرة!
وكما في بلداننا العربية فإن كثيراً من الموسيقيين الأجانب مكفوفون، ولأجلهم تم إصدار عدة مجلات متخصصة في هذا المجال منها «الموسيقى بطريقة برايل» للموسيقيين الهواة والمحترفين. ومجلة «المتفائل» عن موسيقى الجاز والروك والبوب، ومجلة «نغمات البيانو».
وأنا أستشهد بمجلات برايل لأقول إن المكفوفين بدأوا «يبصرون» الدنيا حولهم. ولا بد من دعم كل الجهود الفردية أو المؤسساتية أو الحكومية لتوفير ما يحتاج إليه المكفوفون والصّم والبُكم وذوو الاحتياجات الخاصة، مثلما تفعل المجتمعات المتقدمة. أتمنى أن أقرأ خبراً عن تعيين وزير كفيف مثلما فعلت مصر قبل سبعين عاماً حين اختارت الأديب الكفيف الشهير طه حسين وزيراً للمعارف في حكومة مصطفى النحاس قبل ثورة 23 يوليو (تموز) 1952.
لقد كان بين المكفوفين العرب في صدر الإسلام قدوة حسنة الصحابي عبد الله بن أم مكتوم الذي نزلت فيه آية «عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الأعْمَى* وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى* أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى»، والصحابي حسان بن ثابت شاعر النبي محمد (صلى الله عليه وسلم)، والصحابي العباس بن عبد المطلب عم النبي، والصحابي عبد الله بن عباس أحد كبار مفسري القرآن الكريم وابن عم النبي، والصحابي أبو سفيان والد الخليفة معاوية وقد فقد إحدى عينيه في غزوة الطائف مع النبي وعينه الأخرى في معركة اليرموك، والصحابية أسماء بنت أبي بكر الصديق المعروفة بذات النطاقين أُصيبت بالعمى في أواخر حياتها، والصحابية زنبرة الرومية التي عميت تحت التعذيب لإرغامها على ترك الإسلام، فاشتراها الخليفة الراشدي أبو بكر الصديق وحررها.
وبين الشعراء العرب المكفوفين بشار بن بُرد وأبو العلاء المعرّي. ومن شعراء الأساطير الإغريق هوميروس الذي ألّف ملحمتي «الإلياذة» و«الأوديسا». ومن الأديبات الأميركيات هيلين كيلر التي توفيت في الستينات من القرن الماضي وكانت كفيفة وصمّاء. ومن إنجلترا الشاعر جون ميلتون الذي أُصيب بالعمى في أواخر عمره.
ومن الموسيقيين الكبار أندريا بوتشلي المغني والمنتج الموسيقي الإيطالي، ومن الموسيقيين العرب الكبار سيد مكاوي وعمار الشريعي اللذان قدّما للموسيقى العربية ألحاناً خالدة.
وروت السينما المصرية قصص بعض المكفوفين مثل «أمير الظلام» بطولة عادل إمام، و«الشموع السوداء» بطولة لاعب كرة القدم الراحل صالح سليم ونجاة الصغيرة، و«الكيت كات» بطولة محمود عبد العزيز، و«جسر الخالدين» بطولة سميرة أحمد وشكري سرحان، ويروي هذا الفيلم معاناة فتاة ضريرة اعتمدت على نفسها في الحياة.
كان قارئ التواشيح والمناقب النبوية ومجالس التعزية العراقي المميز عبد الستار الطيار رجلاً كفيفاً ضاحكاً ساخراً. وكان يجلس في خمسينات القرن الماضي باستمرار على رصيف أحد مقاهي بغداد الشعبية في منطقة ساحة الخلاني ويطلب من صبي المقهى أن ينبهه حين تمر من أمامه فتاة جميلة ترتدي العباءة السوداء البغدادية ليقول بصوت مسموع: تبارك الخالق فيما خلق.
8:47 دقيقه
TT
للمكفوفين وجهة نظر
المزيد من مقالات الرأي
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة
