جمعة بوكليب
كاتب ليبي؛ صحافي وقاص وروائي ومترجم. نشر مقالاته وقصصه القصيرة في الصحف الليبية والعربية منذ منتصف السبعينات. صدرت له مؤلفات عدة؛ في القصة القصيرة والمقالة، ورواية واحدة. عمل مستشاراً إعلامياً بالسفارة الليبية في لندن.
TT

عصفور في اليد أم...؟

أيهما خير: عصفورٌ في اليد أم عشرة على شجرة؟
لو تجرأ أحد منّا، أينما كان، واصطحب معه السؤال أعلاه، وطاف به في الشوارع، سائلاً الناس إجابة، لوجد، كما هو متوقع، أن معظمهم ينحاز، تلقائياً، إلى طمأنينة ضمان حصوله على شيء، وإن كان صغيراً مقابل عدم المقامرة باحتمال تضييعه ورجوعه خالي الوفاض أو احتمال حصوله على أكثر!
السؤال ذاته قديم. ومن الواضح أنه سيظل بيننا إلى ما شاء الله لنا البقاء على سطح المعمورة، لأنه سؤال وإن كان يبدو، للوهلة الأولى، بسيطاً وواضحاً، إلا أنه بتقليبه على مهل، وبعقل، سيتبدى لنا أن بساطته لا تتجاوز أن تكون قشرة خارجية، بمجرد إزاحتها سيظهر ما كان مموهاً ومختفياً تحتها من طبقات تركيب، وتعقيد وعمق، تجعل السؤال كاشفاً عن جوهره، وأيضاً صِلته القوية جداً نفسياً بنا، كذوات إنسانية، في سعي دائم ودؤوب، باحثة عن أمن وأمان في كل مناحي الحياة، خوفاً من الوقوع في براثن فقدانهما، وفريسة للحاجة، وبالتالي فقدان طمأنينة وضمان استمرار استقرار حياتي أمنياً واقتصادياً واجتماعياً... إلخ.
من هنا مبعث لجوء كل من يوجّه إليه السؤال، إلى القفز، عفوياً، لاختيار إجابة تستجيب للمخاوف الكامنة في لا وعيه، من دون تفكير في أن يمنح عقله، أو مهاراته، أي فرصة لمحاولة المغامرة، أو المراهنة، على احتمال الفوز بغنيمة، أكبر حجماً ومقداراً، وأثقل وزناً وقيمة، بضمانات أمن وأمان، قادرة على إطفاء نيران مخاوفه ليس آنيا فقط.
ربما لهذه الأسباب أو لغيرها، وهي عديدة، كدتُ أقفز من قعدتي واقفاً، حين همستْ الكاتبة غادة السّمان في أذنيّ، ذات يوم، قائلة بثقة، إنها تختار المغامرة بمحاولة صيد كل عصافير الشجرة بدلاً من ضمان حصولها على عصفور فقط.
مرّ على تلك الحادثة عقود زمنية طويلة. كان إيقاع الحياة مختلفاً عما هو عليه الآن. وكان العالم مشطوراً بوضوح إلى معسكرين متواجهين. وكانت غادة امرأة عذبة الأنوثة، وكاتبة ملهمة وجريئة. وكنتُ شاباً غِرّاً، ما زال يتعلم المشي على أرض جديدة، مأخوذاً بغواية الفن والأدب. وكانت بيروت، حيث تعيش غادة، عاصمة الثقافة العربية، وملتقى الكتّاب والمثقفين، من كل البلاد العربية، ورئة كبيرة تتنفس من خلالها الثقافة العربية. وكانت طرابلس، حيث كنتُ أعيش، مدينة تسير بسذاجة في شوارع التاريخ، باتجاه كوارث قادمة سوف تبتلع براءتها لسنين طويلة.
كانت غادة كاتبة مشهورة، وامرأة فاتنة. وكنتُ أنا أحد المثابرين على قراءة ما تكتب وتنشر، وعاشقاً لها ضمن آخرين كثيرين. ولم أقابلها مطلقاً وجهاً لوجه، أو من بعيد، أو حتى أشاهدها على شاشة تلفاز. لكني قرأتها بشهية من يتذوق خلسة فاكهة لذيذة. وعلمتني الكثير. وهمستْ في أذنيّ، ذات يوم، إنها تختار محاولة صيد كل عصافير الشجرة. ولم أنس ذلك مطلقاً. وازددتُ حباً لها، وإعجاباً بجرأتها، وبقدرات عقلها، وسحر أسلوبها، وبكارة لغتها على فتح أبواب، أمامنا كقراء، لنفكر كبشر بعقول جريئة، مغامرة، ترفض سكون وطمأنينة الموتى، وتعشق حب المعرفة، واكتشاف المجهول، والحلم بصيد غنائم سمينة وكثيرة، في كل مناحي الحياة، من أجل نعيش بمتعة، وجمال، وجدوى.
عُصفورٌ في اليد خيرٌ أم متعة خوض مغامرة لا نخسر فيها سوى خوفنا، وباحتمال أن نعود منها ظافرين باكتشافنا لقدراتنا، على هزّ جذوع شجر طمأنينة المألوف، والمعتاد، ليس فقط بغرض إسقاط ثماره العطنة، وأوراق غصونه اليابسة، بل، أيضاً، بغرض تحريك، وإيقاظ ما ظل كامناً، وحبيساً في أنساغه من حياة وخضرة وحبور، ليصير قادراً على إثمار أحلى مذاقاً، واستقطاب أنواع جديدة من طيور، بأعداد كبيرة، بريش، وسقسقة بألوان سماوات مختلفة، وزاهية.
فهل من مغامر؟