من الصعب هذه الأيام أن تجد أسباباً لارتفاع قيم الأسهم. لكن هبوط السوق 5000 درجة مؤخراً، والتأرجح اليومي، واستمرار العملاء في الإنفاق، وارتفاع معدلات البطالة إلى مستوى تاريخي، تعد جميعها أسباباً تدفع الناس إلى الاعتقاد بأن المشكلة ليست في الاقتصاد، لكن في الأسواق.
الشهر الماضي ألقى وزير الخزانة الأميركي، ستيفين منشن، باللائمة في تقلبات السوق على التجار ذائعي الصيت، وعلى ما يُعرف بـ«قاعدة فولكر» التي تحظر التعاملات التجارية عن طريق البنوك الكبيرة. ويبدو أن ما يعرف بمجموعة «الأسواق الأفضل»، غير الربحية، التي تؤيد فرض مزيد من القيود على الأسواق، وغير المتوائمة مع مسؤولي إدارة الرئيس دونالد ترمب، توافق على ذلك الطرح. فقد دعت المجموعة «لجنة الأوراق المالية والبورصة» إلى البدء في رصد الأدلة على أن أنظمة تجارية جديدة تعوق الأسواق.
وفي هذا الصدد، صرّح المدير التنفيذي لمؤسسة «بيتر ماركتس»، دينيس كيلر، بأن «لوغاريتمات الدورة التجارية السريعة كانت سبباً لتراجع وتذبذب الأسواق لأمد طويل. ولذا فإن الخسائر التي تكبدها المستثمرون وتكبدها اقتصادنا أكبر من أن تحصى».
إذا كانت هناك مشكلة في أسواق المال، فإن الشخص المسؤول عن حلّها خريج كلية العلوم السياسية، وقد تزعم يوماً الجهود الطلابية في مواجهة المخلفات النووية، وحصل على إجازة دراسية لعام كامل ليطوف حول العالم يحمل غيتاره ليروج لقضيته. تخرج بريت ريدفيرم في كلية «إيفيرغرين ستيت كوليدج» عام 1987، ثم حصل على درجة الماجستير في العلوم السياسية من معهد «نيو سكول فور سوشيال ريسيرش» قبل أن يعين رئيساً لـ«لجنة الأوراق المالية» لشؤون الأسواق والتجارة في أكتوبر (تشرين الأول) 2017، ومنذ ذلك الحين أصبح أحد أهم منظمي الأسواق في عهد الرئيس ترمب.
وقد امتدح المدافعون عن المستثمرين السيد ريدفيرم، الذي كان يوماً مسؤولاً تنفيذياً بمؤسسة «بي جي مورغان تشيس»، والذي تخصص لزمن طويل في مجال بنية السوق، بوصفه أول منظم منذ سنوات يعطي الأولوية للمستثمرين الأفراد.
وبحسب العضو السابق بمجلس الشيوخ عن ولاية ديلوير، تيد كوفامان، الذي كان عضواً بلجنة معنية بهيكل السوق خلال عهد الرئيس أوباما أوباما، فإن «تضارب المصالح كان سبباً في حدوث ذلك». بيد أن المسؤولين في سوق المال الرئيسية كان لهم رأي آخر في ريدفيرم؛ حيث أفادوا بأن «هذا لا ينطبق على بريت»، فقد زعموا أن ريدفيرم لا يهتم كثيراً بمسألة العدالة، وأنه حاول إعادة القوانين للارتقاء بأرباح مديره السابق في العمل، وكذلك أرباح غيرها من البنوك الكبرى. وقد رفض ريدفيرم ولجنة مراقبة أسواق المال التعليق.
لكن لو أن مقترحات الإصلاح التي تقدم بها ريدفيرم كانت حسنة النية، فإن بعضها يبدو محدود القدرة على معالجة تقلبات السوق المتزايدة، ناهيك عن تناقص الاكتتاب العام الأول. وبحسب جاي ريتر، بروفسور الاكتتاب العام بجامعة فلوريدا، فإن «هيكل السوق يتعلق بالعامل رقم 13 المؤدي إلى تراجع الاكتتاب العام. فقد كان هيكل السوق سبباً في تراجع الاكتتاب العام لأدنى مستوى خلال 10 سنوات».
لقد كان ريدفيرم أحد أكبر خبراء بورصة «وول ستريت» فيما يخص هيكل السوق. وقد استبعد من أول وظيفة عمل بها في مجال التخطيط الحضري في «هيئة مواني نيويورك» قبل أن يعمل بـ«هيئة أسواق المال في نيويورك». ويقول سال سادانو، الذي عمل رئيساً بمؤسسة «أماكس» إن «ريدفيرم كان يتولى رئاسة اجتماعات العملاء عندما كنت هناك»، وبعد ذلك انضم ريدفيرم إلى شركة «بير ستيرمز»، ثم مؤسسة «جي بي مورغان» عندما اشترت شركة «بير» قبل حدوث الأزمة المالية العالمية. وفي شركة «جي بي مورغان»، كتب ريدفيرم رسالة إخبارية كبيرة عن هيكل السوق.
والآن في «لجنة مراقبة عمليات البورصة» استمرت القضية التي يعالجها ريدفيرم موجودة على الساحة بعض الوقت. وفي منتصف عام 1999، دعا عضو مجلس الشيوخ تشاك شامر من ولاية نيويورك «لجنة مراقبة البورصة» إلى تجريم قانون يطلق عليه «الأمر المفاجئ» الذي جادل البعض بأنه سمح لبعض التجار بمعرفة نوايا البيع والشراء لدى الآخرين قبل غيرهم في السوق. وقد استخدم التجار تقنية متكررة واحدة فقط، لكن الاسم بدا وكأنه لصق. وبعد سنوات قليلة، كتب مايكل لويس موضوعاً تحت عنوان «أبناء الأمر المفاجئ»، وبدأ الجدل بشأن التجارة والدوران السريع يتخذ نبرة عالية. واعتبر لويس أن ذلك تلاعب بالأسواق. فيما تعهدت ماري جو وايت، رئيسة «لجنة مراقبة البورصة» في ذلك الحين، بالتحقيق في الأمر، لكنها في النهاية لم تفعل الكثير لمنع التجارة سريعة التداول.
وعلى الجانب الآخر، يبدو ريدفيرم عازماً على اتحاذ موقف، ويعتبر براد كيتسياما، الذي أسّس مجموعة «إي أي إكس»، والذي يعد بطل «فلاش بويز»، مشجعاً ومناصراً لريدفيرم. وقد تجلى ذلك في قول كيتسياما: «يجب أن تجري عمليات التبادل على أعلى مستوى. فبريت يتمتع بمساندة كبيرة وسجل طويل في حماية مصالح المستثمرين».
إن السؤال الأبرز هو؛ أيّ هذه التغييرات سيجعل الأسواق أفضل حالاً وأكثر عدلاً؟ ففي ظل اتجاه شركة «أوبر» لخدمة التوصيل وغيرها من الشركات للتحول إلى الملكية العامة، يبدو أن واقع «الاكتتاب العام» المتراجع سيتغير.
اللافت في الأمر هنا أن المستثمرين باتوا يدفعون أقل من الماضي، حتى مقارنة بـ10 سنوات ماضية. لكن الواقع يقول إن إيجاد ملعب واحد يلعب فيه المستثمرون العاديون والمحترفون الذين ينفقون الملايين على جمع البيانات بغرض المنافسة، هدف غير واقعي بالمرة. ولكي تكون الأسواق أكثر عدلاً، فإن الحاجة ماسة إلى من يقوم ببذل بعض الجهد في هذا الاتجاه. وسواء عثر ريدفيرم على الطريق الصحيح أم لا، فإن الهدف الذي ينشده هو الأهم، وسيكون ذلك أهم إنجازاته.
* بالاتفاق مع «بلومبرغ»
