تسيطر في هذه الأيام روح العولمة على اقتصادياتنا وتفرضها الدول الكبرى على جميع العالم. ومن أركان العولمة فتح الأسواق للتجارة الحرة. هذه موضة الموسم، ولكن الأمر لم يكن كذلك في القرن الماضي، القرن العشرين. وكانت الموضة السائدة في العالم حماية الصناعات الوطنية. وكما نعلم، قاد المهاتما غاندي هذه الحملة في الهند بلبس قماش الكادي المصنوع محلياً. وكان غاندي يغزله بنفسه. انطبق ذلك بصورة خاصة على العراق في الثلاثينات والأربعينات. كان من أول المعامل الكبرى التي شيدت في العراق في تلك الأيام معامل السجائر ومعمل المنسوجات الوطنية المعروف بمعمل فتاح باشا في الكاظمية. تخصص بصنع الأقمشة الصوفية والبطانيات. أصبح تشجيع هذا المعمل شعار الوطنيين في كل مكان، فطالبوا بفرض رسوم جمركية عالية على الأقمشة والملابس المستوردة من الخارج، وأكثرها من بريطانيا.
بالطبع لم يكن مستوى أقمشة معامل فتاح باشا يضاهي مستوى أقمشة مانشستر الإنجليزية. وكان الناس ينتقدونها بأنها خشنة. شاع عندئذ شعار «اخشوشنوا فإن الترف يزيل النعم». أصدر سامي شوكت، مدير المعارف أمراً بتعليق هذا الشعار في كل المدارس. ما زلت أتذكر لوحته في مدرستنا، مدرسة العسكري، تحمل هذا الشعار. وسرى في كل البلدان العربية شعار «شجعوا مصنوعاتكم الوطنية».
تبارى الوطنيون في تشجيع منتجات معامل فتاح باشا. وكان في طليعتهم الأستاذ درويش المقدادي الذي أصبح من غلاة المؤمنين بالقومية العربية والوحدة العربية. جاء من فلسطين وكرس حياته للحركة الوطنية إلى الحد الذي أودى به في الأخير في السجن بتهمة النازية. وقد أصدر عدة كتب تعبر عن روح القومية المتطرفة وعلى رأسها كتابه الشهير «تاريخ الأمة العربية» الذي سرد فيه التاريخ العربي بأسلوب قصصي يتغنى بأمجاد العرب ومنجزاتهم. وأصدر بعد إطلاق سراحه من المعتقل كتاب «بين جاهليتين».
تحمس درويش المقدادي في تشجيع منتجات معامل فتاج باشا بصورة خاصة وجعل من نفسه مثالاً، فلم يلبس بدلة إلا وكانت من أقمشة فتاح باشا. وحث تلاميذه وزملاءه المدرسين على لبس الملابس المصنوعة منها عندما كان مديراً لدار المعلمين العالية. ومضى في ذلك فأخذ بإعطاء خمس درجات إضافية في نتائج الامتحانات لكل تلميذ يلبس ملابس مصنوعة من أقمشة معامل فتاح باشا. وعندئذ وبذهنية الشك التي نتصف بها مع الأسف، شاع بين الناس أن معامل فتاح باشا كانت تعطي عمولة لدرويش المقدادي عن مبيعاتها لقاء الحملة التي قادها وقام بها في المدارس من لبس ملابس مصنوعة من قماش فتاح باشا. وقال آخرون بل وفي إعطائه أسهماً في الشركة نفسها.
ومهما جرى من قيل وقال وجه له كنقد لأسلوبه فقد كان أبو وائل، الأستاذ درويش المقدادي، رحمه الله، واحداً من أهل الخير الذين جاهدوا من أجل خيار بلادهم وقدمها وخير الأمة العربية جمعاء. وما أحوجنا لأمثاله من الرجال والنساء في هذه المرحلة المضطربة والمنكوبة بالإرهاب والمنازعات.
10:2 دقيقه
TT
اخشوشنوا فإن الترف يزيل النعم
المزيد من مقالات الرأي
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة
