فرديناندو جوليانو
TT

أوروبا الموحدة: صورة مضللة

بدت الصورة العامة على الصعيد الأوروبي جيدة للغاية الأسبوع الماضي، ذلك أن قادة الاقتصادات الثلاثة الكبرى على مستوى منطقة اليورو طرحوا أمام المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس الرسالة ذاتها. خلال حقبة «أميركا أولاً» التي دشنها دونالد ترمب، أعلن قادة إيطاليا وألمانيا وفرنسا معارضتهم للسياسات الحمائية ودعمهم للعمل متعدد الأطراف.
وتعهدوا بأن يبدأ التعاون من الداخل الأوروبي، مشددين على أن منطقة اليورو ستسعى جاهدة لتعزيز الأواصر فيما بينها، بداية من هذا العام. وفي ظل فترة تتسم بتنامي التوترات الأمنية والتجارية وأخرى مرتبطة بالعملة، لا بد أن هذا المظهر المتحد يبدو مشجعاً للغاية. ومع هذا، فإنه لدى إمعان النظر نجد أن هذه الصورة لأوروبا الموحدة قد تكون مضللة، ذلك أن أوروبا قد تقف في وجه السياسات الاقتصادية القومية، لكن حكوماتها لا تزال تعارض إجراءات الاستحواذ من الخارج - حتى من داخل الاتحاد الأوروبي. وفي الوقت الذي تظل فيه حكومة ائتلافية كبرى داخل ألمانيا الأمل الأكبر أمام إطلاق العنان أمام جهود إصلاح مؤسسي داخل منطقة اليورو، فإن ثمة خطوطاً حمراء تظل قائمة بخصوص إنجاز الاتحاد المصرفي وبناء اتحاد نقدي.
عند النظر إلى التجارة، نجد أن السوق المشتركة تمثل إنجازاً كبيراً، قلص بدرجة كبيرة قدرة الحكومات على تعزيز العناصر الوطنية البارزة لديها. ومع هذا، فإنه عندما تتحول مؤسسة وطنية هدفاً لعملية استحواذ، يميل السياسيون لتجاهل مبادئ السوق المشتركة. على سبيل المثال، أعاق الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بادئ الأمر صفقة شراء شركة «فينكاتييري» الإيطالية لمصنع بناء السفن الفرنسي «إس تي إكس». إلا أنه بدّل موقفه بعدما تخلى الإيطاليون عن تشبثهم بامتلاك غالبية أسهم الشركة. في تلك الأثناء، تعمدت إسبانيا اختلاق العقبات في طريق شركة «أتلانتيا» في خضم مساعيها لشراء شركة «أبرتيس إنفراستروكتوراس» الإسبانية العاملة في مجال البنية التحتية. وأخيراً، أصبح لزاماً على شركة «فيفندي» الفرنسية التكيف مع وضعها تحت مراقبة متزايدة من قبل الحكومة بسبب ملكيتها لشركة «تيليكوم إيطاليا»، بعدما أكدت روما على ما يطلق عليه قاعدة «السلطة الذهبية». وبمقتضى هذه القاعدة، يمكن للحكومة الإيطالية أن يكون لها رأي نافذ فيما يخص القرارات الاستراتيجية داخل «تيليكوم غروب».
أيضاً، يعج الاتحاد الأوروبي بالانقسامات حول كيفية إصلاح منطقة اليورو. في دافوس، قال برونو لو مير، وزير المالية الفرنسي، إن «جميع الخيارات مطروحة على الطاولة» فيما يتعلق بإنجاز الاتحاد النقدي. مرة أخرى، إذا أمعنت النظر، تجد ثمة اختلافات قائمة. على سبيل المثال، لدى النظر إلى مشروع الاتحاد المصرفي، الضروري من أجل ضمان عدم ترك مسؤولية التعامل مع المشكلات المالية في أيدي الحكومات بمفردها، نجد أن معظم السياسيين والتكنوقراط، بما في ذلك البنك المركزي الأوروبي، اتفقوا على أن الاتحاد المصرفي بحاجة إلى خطة لضمان ودائع مشتركة، ما يضمن أن الدول الفردية بإمكانها الاعتماد على مورد مشترك للمال لتعويض أصحاب الودائع حال التعرض لإخفاق.
إلا أن ألمانيا وهولندا أوضحتا أنها ترغبان أولاً في تقليص المصارف الأوروبية لمستويات القروض غير العاملة الموجودة في دفاتر ميزانياتها، وإقرار قيود على حجم السندات السيادية التي يمكن للمقرضين الاحتفاظ بها. في المقابل، يختلف كثير من الدول الأخرى الأعضاء في منطقة اليورو مع هذا الطرح، مثل إيطاليا وفرنسا.
وبطبيعة الحال، لا تعتبر هذه الاختلافات بالأمر الجديد. ويعتقد فريق من المتفائلين أن المهم هنا خلق مناخ جديد من التعاون بين الدول الأعضاء، مدعوم من التعافي الاقتصادي. من ناحيتها، تأمل فرنسا في توصل منطقة اليورو إلى بعض التقدم الملموس على صعيد الإصلاح المؤسسي بحلول يونيو (حزيران).
في الواقع، تعتبر منطقة اليورو اليوم مكاناً أفضل كثيراً عما كانت عليه من قبل. ويقف دفاعها عن التعاون الدولي ومعارضتها السياسات الحمائية على النقيض من الخطاب الصادر عن الإدارة الأميركية. ومع هذا، فإنه لا تنبغي لنا المبالغة في الاحتفاء بهذه الصور الجديدة التي تظهر وحدة الصف الأوروبي، لأنه رغم كل ما شهدته دافوس، تظل الحقيقة أن الخطوات نحو بناء اتحاد أوثق قد بدأت لتوها فحسب.
- بالاتفاق مع «بلومبيرغ»